خاص| هل يعكس نفي الناتو التدخل في الصراع الإيراني تماسكًا استراتيجيًا أم عجزًا بنيويًا؟

موقف حلف شمال الأطلسي
موقف حلف شمال الأطلسي الناتو في الحرب الإيرانية

في ظل التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، برز موقف حلف شمال الأطلسي الناتو بوصفه موقفًا مزدوجًا إذ أعلن عدم وجود خطط للتدخل المباشر في الصراع الإيراني، في الوقت الذي أبدى فيه تأييدًا واضحًا للعملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية، هذا التباين يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الحلف يمارس سياسة احتواء مدروسة، أم أنه يعكس واقعًا من التصدع والعجز داخل بنيته العسكرية والسياسية

الدكتور محمود الأفندي
الدكتور محمود الأفندي

 وفي هذا السياق، قال الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي المختص في الشؤون الروسية، في حديث خاص لموقع مانشيت إن الناتو أيد فعليًا العملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل، لكنه بحسب تعبيره لا يملك القدرة ولا الإرادة للدخول في مواجهة مباشرة مع إيران.

عجز بنيوي أم حسابات سياسية؟

وأوضح الأفندي أن الحديث عن تدخل عسكري للحلف خارج المنطق لأن القوة الفعلية داخل الناتو تتمثل أساسًا في الولايات المتحدة، تليها تركيا، كما أشار لن تنخرط في صراع مباشر ضد إيران بحكم حساباتها الإقليمية والسياسية.

وبين أن دولًا مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا أبدت دعمًا سياسيًا للعملية العسكرية، إلا أن هذا الدعم وفق تقديره لا يرتقي إلى مستوى قرار فعلي بخوض حرب مفتوحة، لافتًا إلى أن هذه الدول تفتقر إلى القدرة العسكرية المستقلة التي تخولها قيادة تدخل واسع دون الغطاء الأميركي الكامل، وأكد أن العملية العسكرية نُفذت بقرار أميركي إسرائيلي ثنائي، وليس عبر آلية مؤسساتية داخل الحلف، ما يعكس بحسب وصفه تراجع دور الناتو كإطار جامع للقرارات العسكرية الكبرى.

ونوه الأفندي إلى أن تبرير التصعيد تحت عنوان كبح البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين لا يعكس برأيه الهدف الحقيقي للتحرك العسكري، وأوضح أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن الهدف الأعمق يتمثل في محاولة إضعاف النظام الإيراني أو الدفع نحو إسقاطه.

وقال إن ثمة شعورًا لدى بعض العواصم الأوروبية بأن النظام الإيراني يمر بمرحلة إنهاك، ما يفتح الباب من وجهة نظرها لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وأضاف أن هذا التوجه قد يفسر الحماسة الأوروبية الداعمة للتصعيد، وإن لم تتحول إلى مشاركة عسكرية مباشرة.

الناتو حضور قانوني وغياب فعلي

وفي تقييمه لبنية الحلف، اعتبر الأفندي أن الناتو ما زال قائمًا قانونيًا لكنه فقد الكثير من فعاليته عمليًا خاصة بعد تداعيات الحرب في أوكرانيا والتباينات المتزايدة بين أعضائه، ولفت إلى أن أمين عام الحلف بات يكتفي بإصدار مواقف سياسية دون امتلاك أدوات تنفيذية مستقلة.

وأكد أن أي تدخل عسكري واسع يتطلب توافقًا سياسيًا وعسكريًا غير متوافر حاليًا داخل الحلف، في ظل تضارب المصالح الوطنية بين أعضائه، وتباين رؤاهم تجاه طبيعة المواجهة مع إيران.

أوربا بين الاصطفاف والحسابات الخاصة

وبين الأفندي أن بعض المواقف الأوروبية، خصوصًا ما يتعلق بتأييد استهداف قيادات عليا في إيران تعكس  في رأيه  تصعيدًا سياسيًا غير مسبوق، وأوضح أن دعم فكرة استهداف رأس النظام أو المرجعية الدينية العليا يحمل أبعادًا خطيرة، ليس فقط على المستوى السياسي بل أيضًا على المستوى الطائفي والإقليمي.

وأكد أن واشنطن لطالما تبنت استراتيجية واضحة تجاه طهران بينما لم يكن لدى أوروبا، تاريخيًا مشروع مباشر لإسقاط النظام الإيراني، معتبرًا أن التحول في الخطاب الأوروبي يعكس تغيرًا في الحسابات الاستراتيجية أكثر من كونه التزامًا مبدئيًا بملف الصواريخ أو النووي.

وأشار الأفندي إلى أن نفي الناتو وجود خطط للتدخل لا يعكس فقط رغبة في احتواء التصعيد، بل يكشف أيضًا حدود القدرة الفعلية للحلف على خوض مواجهة كبرى، وبين أن التأييد السياسي للعمل العسكري لا يعني استعدادًا لتحمل كلفة الحرب، مشددًا على أن ما يجري هو تحرك أميركي مدعوم أوروبيًا، لكنه لا يرتقي إلى مستوى حرب يقودها الناتو ككيان موحد،
وبذلك، يبقى الحلف وفق هذا التوصيف حاضرًا في البيانات، غائبًا في الميدان، في لحظة إقليمية قد تعيد رسم موازين القوى خارج أطر التحالفات التقليدية.