فتحت إجراءات فرنسا بشأن تقييد بعض صلاحيات السفير الأميركي لديها تشارلز كوشنر، التساؤلات حول طبيعة المرحلة الراهنة في العلاقات عبر الأطلسي، فهل نحن أمام توتر دبلوماسي متصاعد مع الولايات المتحدة، أم أن الأمر يندرج ضمن رسائل سياسية رمزية تعكس رفضًا أوروبيًا لتكرار التدخل في الشأن الداخلي؟.
في هذا السياق، قال الدكتور محمد رجائي بركات، الباحث في الشؤون الدولية، في تصريح خاص لموقع "مانشيت"، إن الخطوة التي اتخذتها فرنسا لا يمكن فصلها عن مناخ أوروبي أوسع يتسم بالحساسية تجاه أي حضور دبلوماسي يتجاوز الأطر التقليدية.

وأوضح بركات أن السنوات الأخيرة شهدت جدلًا متكررًا بشأن ما اعتبرته بعض العواصم الأوروبية تدخلات أميركية في قضايا داخلية، وأشار إلى أن الساحة البلجيكية كانت مثالًا على ذلك، حين أثيرت انتقادات من السفير الأميركي في بروكسل تجاه سياسات محلية، وهو ما عُدّ تجاوزًا للحدود الدبلوماسية من وجهة نظر أطراف أوروبية، ولفت إلى أن هذا النمط لم يقتصر على بلجيكا، بل امتد إلى فرنسا حيث وُصفت بعض تحركات السفير الأميركي بأنها تعكس انخراطًا مباشرًا في نقاشات سياسية داخلية، ما زاد من حساسية المشهد.
وأكد بركات أن جذور هذا التوتر تعود جزئيًا إلى المرحلة التي قاد فيها دونالد ترامب الإدارة الأميركية، موضحًا أنه خلال ولايته الأولى تم إرسال مستشارين لإجراء تواصل مع أحزاب يمينية متشددة داخل دول الاتحاد الأوروبي، مع تشجيعها على تشكيل تكتل سياسي مؤثر داخل مؤسسات الاتحاد.
وبيّن أن هذه الخطوات تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية الأوروبية، ورسخت مخاوف من محاولة التأثير في التوازنات الحزبية داخل القارة.
وقال بركات إن تقييد صلاحيات السفير الأميركي لا يعني بالضرورة أزمة دبلوماسية مفتوحة، لكنه يحمل رسالة واضحة مفادها أن باريس لن تقبل بتجاوز الخطوط الحمراء في إدارة علاقاتها السيادية، ونوه إلى أن مثل هذه الإجراءات تُستخدم أحيانًا كأداة ضغط دبلوماسي ناعم لإعادة ضبط الإيقاع في العلاقات الثنائية، وأوضح بركات أنه من المرجح استمرار الحضور الأميركي القوي في الشأن الأوروبي بحكم تشابك المصالح الأمنية والسياسية، لكنه أكد أن شكل هذا الحضور قد يواجه قيودًا متزايدة كلما تصاعدت الانتقادات الأوروبية.
وأكد أن الخطوة الفرنسية تعكس حالة شد وجذب تقليدية بين الحلفاء، لكنها في الوقت ذاته تعتبر مؤشرا على رغبة أوروبية متنامية في إعادة تعريف حدود العلاقة مع واشنطن، دون الوصول إلى مرحلة القطعية من الإجراءات الرمزية من جانب بعض الدول، خاصة في ظل تنامي الدعوات الأوروبية لتعزيز الاسستقلالية الاستراتيجية.