<

باريس تُقلص صلاحيات السفير الأميركي.. مناورة سياسية أم أزمة دبلوماسية حقيقية؟ (خاص)

قررت باريس تقليص صلاحيات السفير الأميركي لديها، تشارلز كوشنر، في تصعيد دبلوماسي جديد يفتح الباب أمام تساؤلات حول  طبيعة المرحلة الراهنة، وهل بدأت ملامح أزمة صامتة بين الحليفين، أم أنها مجرد مناورة فرنسية لفرض توازن جديد في العلاقات عبر الأطلسي؟.

وقال الدكتور هاني الجمل، رئيس وحدة الدراسات الدولية والاستراتيجية بالمركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن الخطوة الفرنسية تعكس تصاعدًا ملحوظًا في لهجة المواجهة السياسية مع واشنطن دفاعًا عما تصفه باريس بالحقوق الأوروبية، وأوضح أن هذا التصعيد لا ينفصل عن سياسات أميركية سابقة في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط، والتي أثارت تحفظات أوروبية متكررة، مشيرًا إلى أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين على الساحة الأميركية زادت من حدة الاحتقان السياسي داخل أوربا.

الدكتور هاني الجمل
الدكتور هاني الجمل

إجراء إداري أم رسالة سياسة؟

وأوضح الجمل أن تقييد حركة أو صلاحيات دبلوماسيين أجانب ليس أمرًا غير مألوف في الأعراف الدولية، إذ تلجأ إليه الدول المضيفة عندما ترى تعارضًا بين نشاط بعض الممثلين الدبلوماسيين وخططها أو منهجيتها السياسية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الخطوة الفرنسية تتجاوز البعد الإداري، وتحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها رفض بعض التوجهات الأميركية، سواء في إدارة الأزمة الروسية الأوكرانية أو في طبيعة التعاطي مع ملفات الطاقة والأمن الأوربي.

الضغوط الدفاعية والاقتصاد الاوربي

وأشار الجمل إلى أن أحد أبرز أسباب التباين يتمثل في الضغوط الأميركية على دول أوروبا لرفع الإنفاق الدفاعي من 2.5% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما تعتبره بعض العواصم الأوروبية عبئًا اقتصاديًا قد يؤدي إلى تفاقم التضخم ويزيد من حدة التوترات الداخلية، ولفت إلى أن هذه الضغوط، إلى جانب الخلافات التقنية التي برزت سابقًا في ملف الجيل الخامس، عززت الشعور الأوروبي بالحاجة إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

كما نوه الجمل إلى أن التباينات لا تنحصر في الساحة الأوروبية، بل تمتد إلى ملفات الشرق الأوسط والخليج العربي، خاصة في ظل الضربات الأميركية التي استهدفت النظام الإيراني، وما قد يترتب عليها من تصعيد يؤثر في أسواق الطاقة العالمية، لا سيما إذا تعرضت ممرات الملاحة الحيوية لأي تهديد، وأوضح أن بعض المواقف الأوروبية، ومنها تحفظات بريطانية سابقة بشأن استخدام قواعد عسكرية في عمليات محتملة، تعكس رغبة في تجنب الانخراط التلقائي في أي تصعيد عسكري قد يضر بالمصالح الاقتصادية الأوربية.

وأكد الجمل أن التحرك الفرنسي قد يشكل مؤشرًا على توجه أوروبي أوسع لإعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، مشيرًا إلى أن بعض الدول الأوروبية قد تحذو حذو باريس إذا استمرت الخلافات حول أولويات الأمن والطاقة والإنفاق الدفاعي. وقال إن الحديث عن عالم جديد يتشكل لا يعني بالضرورة قطيعة عبر الأطلسي، لكنه يكشف عن تصدع نسبي داخل المعسكر الغربي، ورغبة أوروبية متزايدة في تجنب انفراد واشنطن بالقرار في قضايا تمس الأمن والمصالح المشتركة.