<

خاص| الحرب في أوكرانيا.. كيف أعادت التعبئة والعقوبات تشكيل الداخل الروسي؟

منذ انطلاق ما تسميه موسكو العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، تصاعد الجدل داخل روسيا حول توصيف ما يجري بين من يراه عملية عسكرية محدودة ومن يعتبره حربًا مفتوحة بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، ومع إعلان التعبئة الجزئية وفرض العقوبات الغربية، برزت تساؤلات حول مدى تأثر المجتمع الروسي ومستوى معيشته، وحجم صمود الاقتصاد في مواجهة الضغوط.

وفي هذا السياق قال الدكتور سمير أيوب المحلل السياسي والمتخصص في الشأن الروسي، خلال حديث خاص لموقع «مانشيت» أن مجرد الجدل حول التسمية  سواء كانت عملية عسكرية أو إعلان حرب يعكس أن روسيا دخلت فعليًا ساحة قتال تتطلب تعبئة عسكرية ومجتمعية متكاملة.

الدكتور سمير أيوب
الدكتور سمير أيوب

القلق إلى التأقلم المجتمعي

أوضح أيوب أن بداية التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا سببت حالة من القلق داخل الشارع الروسي، لافتًا إلى أن هذا القلق ازداد مع إعلان التعبئة الجزئية حيث شهدت بعض المناطق اضطرابًا محدودًا، بل وغادر عدد من المواطنين البلاد تخوفًا من استدعائهم، وأشار إلى أنه بعد انتهاء مرحلة التعبئة، اتضح أن القرار لم يكن تعبئة عامة شاملة، بل اقتصر على من خدموا سابقًا في الجيش أو يملكون خبرات عسكرية، وهو ما ساهم  بحسب تعبيره  في امتصاص حدة المخاوف وعودة قدر من الاستقرار النفسي والإجتماعي.

وأكد أن أي حرب لا تخلو من الخسائر، سواء على مستوى الجنود أو المدنيين أو البنية التحتية، غير أن المجتمع الروسي وفق تقديره أظهر تأقلمًا تدريجيًا مع واقع الصراع، انطلاقًا من قناعة بأن ما جرى يرتبط، من وجهة نظر موسكو، بحماية الأمن القومي الروسي.

خلفيات الصراع ورواية الأمن القومي

لفت أيوب إلى أن قطاعات واسعة من المجتمع، بما في ذلك أطياف سياسية مختلفة، تبنت رواية مفادها أن التحرك العسكري جاء نتيجة تصاعد التوتر مع الغرب ومحاولات التمدد نحو الحدود الروسية، إضافة إلى مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، كما أشار إلى أن أحداث عام 2014 شكلت نقطة تحول مفصلية في العلاقة بين موسكو وكييف، خاصة مع تطورات الأوضاع في منطقة دونباس مؤكدًا أن هذه التطورات عززت لدى شريحة من الروس الاعتقاد بأن الصراع يمس أمن روسيا بشكل مباشر

ومن جهة أخرى، بين أيوب أن الحرب فرضت أعباء اقتصادية واضحة، تمثلت في ارتفاع الأسعار وزيادة بعض الرسوم والضرائب، ما انعكس على مستوى معيشة الفرد الروسي.

ونوه إلى أن الشارع الروسي يتطلع بطبيعة الحال إلى نهاية سريعة للصراع، نظرًا لما يحمله من كلفة مادية واجتماعية،وأوضح أن استمرار العمليات العسكرية يعني استمرار الضغوط المعيشية، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن قطاعات من المجتمع ترى أن الحفاظ على السيادة والاستقلال يتطلب تحمل كلفة معينة، معتبرة ذلك ثمنًا وطنيًا.

مواجهة العقوبات وإعادة هيكلة الإقتصاد

في ما يتعلق بالعقوبات الغربية أكد أيوب أن موسكو اتخذت إجراءات مكثفة للحد من تأثيرها، موضحًا أن الحكومة الروسية ركزت على تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما وفر  بحسب قوله  فرص عمل جديدة وأسهم في إعادة تشغيل مصانع كانت متوقفة.

وأشار إلى أن بعض القطاعات، لا سيما الإنتاج الصناعي والعسكري شهدت زيادة في وتيرة العمل، لافتًا إلى أن الاقتصاد الروسي لم يشهد الانهيار الذي توقعته بعض العواصم الغربية، كما أوضح أن السياسة النقدية التي انتهجها البنك المركزي الروسي ساهمت في استقرار الروبل نسبيًا، رغم محاولات الضغط عليه، وهو ما حال دون حدوث اضطراب مالي واسع كان من الممكن أن ينعكس في احتجاجات داخلية.

بين الكلفة والاستمرار

أكد أيوب على أن الحرب تشكل عبئًا حقيقيًا على روسيا، لكنها وفق رؤية مؤيديها معركة تتعلق بالمكانة والسيادة، وأوضح أن الخسائر، رغم وجودها، لم تصل بعد إلى مستوى يدفع الشارع إلى تحرك واسع للمطالبة بإنهاء العمليات، مشيرًا إلى أن جزءًا من الرأي العام لا يزال يرى أن التراجع في هذه المرحلة قد يحمل تداعيات استراتيجية أكبر على وحدة روسيا وموقعها الدولي.