بين جدران القاهرة العتيقة وعروق شوارعها التي تنبض بالتاريخ، تستعد القلوب لاستقبال زائرها الأغلى؛ فما هو إلا وقت قصير ويهل علينا شهر رمضان المبارك ببركاته ونفحاته. لا تبدأ الحكاية فقط عند رؤية الهلال، بل من ورش صناعة الفانوس، وفي الخيامية حيث تطرز الأنامل بهجة رمضان؛ ليظل هذا الشهر في مصر حالة فريدة تمزج بين خشوع المآذن وسحر الموروث.
وتتجدد في قلوب المسلمين حول العالم مشاعر الإيمان والروحانية، خلال رمضان فهو مناسبة دينية واجتماعية مميزة، تتغير فيها ملامح الحياة اليومية، وتزداد مظاهر التكافل والتراحم بين الناس، وتُضاء المساجد بالمصلين، وتعلو أصوات الدعاء والقرآن في كل مكان حتى الفجر.
شهر الصيام والقيام والنفحات والبركات والعتق من النيران؛ وقد تزينت له شوارع القاهرة الفاطمية بالفوانيس والأنوار المبهرة، وتعليق الخيامية الرمضانية في كل مكان. ومع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، يزداد اهتمام المسلمين بمعرفة كافة التفاصيل من فوانيس رمضان والزينة بكافة أشكالها من الخيامية وغيرها من الموروثات التقليدية التي تضفي على شهر رمضان البهجة والسعادة.
قيمة شهر رمضان الكريم لدى المسلمين تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب؛ فهو شهر التقرب إلى الله عبر الصلاة وتبني الأعمال الصالحة ورعاية الفقراء وقراءة القرآن والدعاء، والانضباط الذاتي، ويتعلم الصائم التحكم في رغباته وتجنب أي فعل شائن، والحفاظ على حالة السكينة والمحبة والود للناس أجمعين، وتقوية الروابط الاجتماعية مع العائلة والمجتمع، وعقد جلسات وتجمعات يتناصح فيها بعضهم البعض بالخير والود والتعاون على البر، وينظر المسلمون في كل أنحاء العالم إلى الشهر الفضيل على أنه فرصة لإعادة التوازن الروحي والشخصي، ولذلك ينتظره بعض المسلمين لإعادة النظام والانضباط ودعم الصحة العقلية والنفسية.
تعود بداية صناعة فانوس رمضان في مصر لأكثر من ألف عام، وبالتحديد في عصر الدولة الفاطمية؛ وارتبط ظهوره بقدوم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة ليلاً، فقد استقبله المصريون بالمشاعل والفوانيس الملونة لإضاءة الطريق، ليصبح بعدها رمزًا للبهجة الرمضانية وموروثًا ثقافيًا.
ويُعد شارع الخيامية في الدرب الأحمر بمنطقة الأزهر في العاصمة المصرية القاهرة المكان التقليدي والأكثر شهرة في هذه الصناعة المصرية الخالصة؛ حيث يمكن العثور على الخيامية والمحلات التي تبيع أقمشة الخيامية الأصلية والمطرزة، إضافة إلى زينة رمضان والفوانيس.
وأجمع خبراء صناعة الفانوس المصري الفاطمي على أن مكونات صناعة الفانوس الرمضاني، التقليدي أو الحديث، تشمل بشكل أساسي المعادن (النحاس، الصاج، القصدير، الزجاج الملون، والخشب). أما الفانوس الحديث فيشتمل على الكرتون المقوى، والأوراق الملونة، والبلاستيك، مع أدوات لاصقة ومقصات وألوان، إضافة إلى وحدات إضاءة «LED» أو الشموع والموسيقى.
ويظل شهر رمضان أكثر من مجرد أيام للصيام، بل هو محطة إيمانية تتجدد فيها القيم، وتتعزز أواصر المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع. ومع انقضاء أيامه المباركة، تظل أجواؤه الروحانية وأعمال الخير التي شهدها حاضرة في القلوب، شاهدة على قدرة هذا الشهر الكريم على إحداث أثر إيجابي يمتد لما بعده، ليبقى رمضان فرصة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات وبداية صفحة جديدة.
من المقرر أن تستطلع دار الإفتاء المصرية هلال شهر رمضان 2026 يوم الثلاثاء في التاسع والعشرين من شهر شعبان بعد غروب الشمس، وسيبقى الهلال الجديد لمدة 33 دقيقة بعد غروب شمس يوم الرؤية في مكة المكرمة وفي القاهرة 37 دقيقة ويبقى في سماء باقي محافظات جمهورية مصر العربية لمدة تتراوح بين (34:37 دقيقة).
ووفق الحسابات الفلكية من المقرر أن يكون موعد شهر رمضان لعام 1447 هجرياً الموافق 2026 ميلاديًا يوم الخميس 19 فبراير 2026.