في ظل تصاعد التباينات بين باريس وواشنطن منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يكتسب تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه يتعامل مع نظيره الأميركي باحترام ولكن ليس بضعف دلالات سياسية عميقة تعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع الشراكة عبر الأطلسي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

وفي حديث خاص لموقع مانشيت قال السفير مسعود معلوف، الخبير في العلاقات الدولية بواشنطن، إن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا دخلت مرحلة أكثر حساسية مع بدء الولاية الثانية لترامب، خاصة في ظل قراراته الاقتصادية والسياسية المثيرة للجدل.
وأشار معلوف إلى أن ترامب بادر مع عودته إلى السلطة، بفرض رسوم جمركية على عدد كبير من الدول، من بينها دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وكندا، ما أثار انزعاجًا واسعًا في الأوساط الأوروبية، وأضاف أن الرئيس الأميركي برر تلك الخطوة بأنها تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي الداخلي، مؤكدًا أن بعض الدول، بما فيها حليفة، تستفيد من الولايات المتحدة على نحو غير عادل، ولفت إلى أن ترامب تراجع لاحقًا عن بعض الرسوم المرتفعة، إلا أن آثار الأزمة السياسية ظلت قائمة.
نوه معلوف إلى أن الموقف الأميركي من جزيرة غرينلاند زاد المشهد تعقيدًا، بعدما طرح ترامب فكرة السيطرة عليها سواء بالقوة العسكرية أو عبر الشراء، وهو ما قوبل بمعارضة أوروبية واضحة، وأكد أن الرئيس ماكرون قاد جانبًا من هذه المعارضة، معتبرًا أن المسألة تمس التوازنات والسيادة الأوروبية، ما أدى إلى تصاعد حدة الخلافات بين الجانبين.
وبين أن التوتر تصاعد أكثر عندما لوح ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الدول الأوروبية التي تعارض موقفه من غرينلاند، مشيرًا إلى أن الخلاف تجاوز الإطار السياسي إلى تبادل انتقادات وسخرية شخصية بين الرئيسين.
ومن جهة أخرى، أكد معلوف أن ماكرون لا يسعى إلى قطيعة مع الولايات المتحدة، إدراكًا منه لأهمية الشراكة الدفاعية، خصوصًا في حلف شمال الأطلسي «الناتو».
كما أوضح أن أوروبا ما زالت بحاجة إلى الولايات المتحدة في ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها الحرب الروسية على أوكرانيا، ما يفرض على باريس هامشًا من الواقعية السياسية، وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن ماكرون لا يريد أن يظهر بمظهر الخاضع لإدارة ترامب، ولذلك جاءت عبارته باحترام ولكن ليس بضعف كمحاولة لتحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على التحالف وعدم التفريط في الاستقلالية الأوروبية.
ولفت معلوف إلى أن طبيعة ترامب غير النمطية تجعل من الصعب التنبؤ بمسار قراراته، مؤكدًا أن ولايته الحالية ستنتهي خلال أقل من ثلاث سنوات، وهو ما يدفع بعض القادة الأوروبيين إلى إدارة الخلافات بمنطق احتوائي مرحلي، وأضاف أن أوروبا تسعى تدريجيًا إلى تعزيز قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، دون فك الارتباط الكامل مع واشنطن.
وأشار معلوف إلى أن انعقاد قمة مجموعة السبع في فرنسا خلال شهر يونيو المقبل، بصفتها الرئيسة الحالية للقمة، سيكون اختبارًا مهمًا لطبيعة العلاقة بين الجانبين، وأكد أن ماكرون يحاول مسايرة ترامب إلى حد معين، دون أن يبدو تابعًا له، مشددًا على أن الخلاف الأوروبي الأميركي قائم بالفعل، لكن مساره المستقبلي سيظل مرهونا بتطورات المرحلة المقبلة.