في تصعيد اقتصادي جديد يحمل أبعادًا تتجاوز الإطار التجاري، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقع أمرًا تنفيذيًا يتيح لواشنطن فرض رسوم جمركية إضافية على السلع الواردة من الدول التي تواصل التعامل تجاريًا مع إيران، في خطوة تعكس توسيع نطاق أدوات الضغط الاقتصادي الأميركي.
يأتي ذلك بعد يوم واحد فقط من تهديد ترامب بإعادة فرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على البضائع الهندية، حال ثبوت استمرار نيودلهي في استيراد النفط الروسي، قبل أن يتراجع ويلغي الرسوم الجمركية بسبب التزام نيودلهي "بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر"، وهو ما يشير إلى توجه أكثر صرامة في توظيف السياسة التجارية كأداة ردع جيوسياسي.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي المختص في الشؤون الروسية، في حديث خاص لموقع «مانشيت»، إن قراءة هذه القرارات يجب أن تنطلق مما يُعرف بالتفاهمات غير المعلنة، والتي وإن كان الإعلان عنها محدودًا، إلا أن نتائجها تحمل أبعادا استراتيجية عميقة.

وأشار الأفندي إلى أن ما يجري اليوم يعكس عودة إلى مفهوم العرف الدولي الذي تأسس بعد مؤتمر يالطا عام 1945، حين تم تكريس معادلة تقوم على وجود "قوتين عظميين"، لكل منهما مجال أمن قومي لا يجوز المساس به، وأوضح أن هذا العرف كان يشكل أساسًا غير مكتوب لتنظيم العلاقات الدولية، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تشهد محاولة لإعادة إحيائه بعد أن تعرض وفق تقديره للاهتزاز عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وما تبعه من توسع لحلف الناتو شرقًا باتجاه الحدود الروسية.
ولفت إلى أن الحديث لا يدور عن اتفاق صريح لتقسيم مناطق النفوذ بين واشنطن وموسكو، بل عن تفاهم ضمني يقوم على عدم التدخل في نطاق الأمن القومي المباشر لكل طرف، وبين أن الأمن القومي الروسي يرتبط جغرافيًا بدول مثل أوكرانيا وبيلاروسيا وجورجيا وكازاخستان فيما يشمل الأمن القومي الأميركي محيطه المباشر في القارة الأميركية، من كندا إلى أميركا اللاتينية، وأكد أن ما يجري خارج هذه الدوائر لا يدخل في إطار الصراع المباشر، بل في إطار التنافس على النفوذ، سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو آسيا.
ونوه الأفندي إلى أن القرارات الأميركية الأخيرة لا تعكس بالضرورة تصعيدًا مباشرًا، بل تندرج ضمن تنافس محسوب بين القوتين، حيث تحاول كل دولة تعزيز موقعها دون تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بالأمن القومي للطرف الآخر، كما أشار إلى أن غياب التصريحات الحادة المتبادلة بين الكرملين والبيت الأبيض في بعض المحطات يعكس وجود تفاهمات غير معلنة تضبط إيقاع هذا التنافس.
وأوضح أن العالم يمر بمرحلة انتقالية لإعادة صياغة النظام الدولي، تمهيدًا للانتقال نحو صيغة أكثر تعددية في موازين القوى، في ظل صعود الصين، وتعاظم دور الهند، وتحركات قوى إقليمية أخرى، وأكد أن محاولات واشنطن للحد من تنامي النفوذ الصيني وكذلك تحركات موسكو في أفريقيا والشرق الأوسط تندرج ضمن هذا السياق التنافسي، وليس في إطار مواجهة شاملة.
وأكد الأفندي أن العالم يعيش حالة ما يسمى بالأزمة الدائمة، معتبرًا أن إعادة ترسيم حدود النفوذ بين القوى الكبرى قد تمثل محاولة لاحتواء هذه الحالة وإعادة ضبط التوازن الدولي، وشدد على أن ما يجري اليوم ليس صراعًا مباشرًا بين الولايات المتحدة وروسيا، بل تنافس منظم تحكمه حدود الأمن القومي لكل طرف، في إطار إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي الجديد.