أعاد طرح جاريد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لخظة إعمار غزة، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، إلى الواجهة جدلًا قديمًا جديدًا حول طبيعة المقاربة الأميركية للقضية الفلسطينية، وهذا الطرح لا يمكن قراءته بمعزل عن تجربة مؤتمر المنامة عام 2019، الذي شكل الركيزة الاقتصادية لما عرف آنذاك بصفقة القرن، بما يحمله من منطلقات وأهداف تتجاوز البعد الإنساني المعلن.
وقال سهيل دياب أستاذ العلوم السياسية والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، في تصريحات خاصة إلى موقع "مانشيت"، إن العنصر المشترك الأول بين خطة دافوس وخطة المنامة يتمثل في الارتكاز شبه الكامل على البعد الاقتصادي، مقابل غياب أي تصور سياسي واضح لمستقبل قطاع غزة، وأوضح أن الخطتين تتجنبان عمدًا الخوض في قضايا الحكم والسيادة سواء تعلق الأمر بالحكم الذاتي أو بالدولة الفلسطينية، أو حتى بآليات إدارة انتقالية ذات شرعية وطنية.
وأشار إلى أن هذا التجاهل المتعمد للبعد السياسي لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل يعكس جوهر الرؤية الأميركية وهو ما يفسر، بحسب تعبيره، الرفض الفلسطيني المتواصل لهذه الطروحات منذ الإعلان عن صفقة القرن وحتى اليوم.

ولفت دياب إلى أن العنصر المشترك الثاني يتمثل في إعادة إنتاج النمط الأميركي التقليدي القائم على التعامل مع الصراعات السياسية المعقدة بوصفها أزمات تنموية قابلة للحل عبر المال والاستثمار، وبيّن أن هذه المقاربة تتجاهل بصورة كاملة الجذور التاريخية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحقوق الوطنية الفلسطينية، ما يجعل مثل هذه الخطط منفصلة عن الواقع السياسي والقانوني القائم، وقابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني جدي، وأكد أن تحويل التنمية الاقتصادية إلى حل سحري للصراع لا يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار، لا إلى معالجته.
وأشار إلى أن هناك فجوة عميقة بين الرؤية المثالية التي تروّج لها هذه الخطط والواقع الميداني في قطاع غزة، وأوضح أن هذه الفجوة تشكل الحاضنة الأساسية للأوهام، بل وللأفخاخ السياسية الكامنة في مشاريع الإعمار المطروحة، إذ يتم تسويق نماذج نظرية للاستقرار والازدهار في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الأمن والسيادة والاستقلال في القرار.
وشدد على أن خطة كوشنر التي طرحت في دافوس تبدو أكثر وضوحًا وخطورة مقارنة بخطة المنامة، وبيّن أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بطرح الإعمار كمسار اقتصادي، بل تسعى إلى استخدامه كرافعة لتعميق نفوذها السياسي، وصولًا إلى ممارسة شكل من اشكال الوصاية على قطاع غزة.
وأضاف دياب أن ما كان غائبًا في صفقة القرن من تصور سياسي لإدارة غزة، يجري اليوم بلورته عبر الحديث عن الحوكمة والإشراف والتأثير الأميركي المباشر، ما يعني عمليًا وضع اليد على القطاع تحت غطاء الإعمار.
وعن فرص نجاح الخطة، قال إنها ممكنة نظريًا فقط في حال توفر أربعة شروط أساسية: "وقف دائم لإطلاق النار، وإزالة الأنقاض والألغام، وتوفير رأس مال مالي ضخم، وإقامة هيكلية مؤسساتية واضحة للحوكمة"، غير أنه أكد أن هذه الشروط غير متوفرة حاليًا، ولا توجد مؤشرات جدية على إمكانية تحقيقها، خاصة في ظل غياب واقع أمني مستقر تتحكم به إسرائيل، وغياب الشرعية الفلسطينية اللازمة لإشراك سكان قطاع غزة في أي مشروع من هذا النوع، محملًا الولايات المتحدة مسؤولية هذا الانسداد السياسي.
وأكد دياب أن الحديث لا يدور فقط حول أوهام اقتصادية، بل عن أفخاخ سياسية مرتبطة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، ومرهونة بمسار الإقليم واحتمالات التصعيد وباتجاه النظام الدولي، سواء اتجه نحو هيمنة أميركية متجددة أو نحو عالم متعدد الأقطاب، وأوضح أن هذه التحولات ستنعكس بشكل مباشر على كيفية التعاطي مع القضية الفلسطينية عمومًا، ومع قطاع غزة على وجه الخصوص.