أعادت التصريحات الحادة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، التي وصف فيها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دور قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان بأنها مهينة ومروعة فتح باب التساؤلات حول مستقبل ما يعرف بالعلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن وما إذا كانت تشهد تصدعًا حقيقيًا أم تمر بخلاف عابر لن ينعكس على تماسك حلف الناتو.

وقالت الدكتورة هبة القدسي الباحثة في الشأن الأميركي ومديرة مكتب جريدة الشرق الأوسط، في حديث خاص لموقع «مانشيت»، إن التشققات بين الحلفاء التاريخيين على ضفتي الأطلسي باتت تتزايد بشكل ملحوظ، مؤكدة أننا نشهد بوضوح تصدعًا متناميًا في العلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن.
ولفتت القدسي إلى أن وصف ستارمر لتصريحات ترامب لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكمات من السياسات الأميركية التي سعت إلى تهميش الدور الأوروبي عمومًا والبريطاني والفرنسي على وجه الخصوص، في ملفات أمنية واستراتيجية محورية.
وأشارت القدسي إلى أن انتقادات ترامب لحلف الناتو، وادعاءه أن الولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى الحلفاء في أفغانستان، وأن قواتهم بقيت بعيدًا عن الخطوط الأمامية، أثارت غضبًا واسعًا في أوروبا، لا سيما في بريطانيا.
وأوضحت أن لندن دفعت ثمنًا بشريًا باهظًا في الحرب الأفغانية حيث خسرت 457 جنديًا، وكانت القوات البريطانية ثاني أكبر مساهم عسكري بعد الولايات المتحدة بأكثر من 150 ألف جندي، كما خسرت كندا أكثر من 150 جنديًا وفرنسا نحو 90 والدنمارك 44، وهي نسب مرتفعة قياسًا بحجم المشاركة.
أكدت القدسي أن رد ستارمر، الذي وصف تصريحات ترامب بأنها مهينة ومروعة وتسببت في ألم كبير لعائلات الضحايا ويعد من أقوى التصريحات البريطانية ضد ترامب منذ تولي ستارمر السلطة.
ونوهت إلى أن رئيس الوزراء البريطاني ذهب أبعد من ذلك حين لمح إلى ضرورة اعتذار ترامب مشيرًا إلى أنه لو كان هو من قال مثل هذه الكلمات لكان قد اعتذر بالتأكيد في تحول لافت بعد فترة من الحفاظ على نبرة دبلوماسية هادئة تجاه واشنطن رغم الخلاف.
كما لفتت القدسي إلى أن هذا السجال يأتي في سياق خلافات أوسع تتعلق بطموحات ترامب بشأن غرينلاند، والتي تشكل مصدر قلق حقيقي داخل حلف الناتو، لما تحمله من تهديد محتمل لتماسكه.
وأوضحت أنه رغم تراجع ترامب عن تهديدات بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، والتلويح بعمل عسكري إلا أنه حقق تقدمًا في التوصل إلى اتفاق إطاري يمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى أراضي غرينلاند وبناء قواعد ومشروعات تعدينية، دون موافقة مباشرة من الدنمارك أو حكومة غرينلاند وذلك عقب اجتماع مع الأمين العام للناتو مارك روته، جرى خلاله الاتفاق على إطار أمني للقطب الشمالي.
وأشارت القدسي إلى أن موجة الغضب لم تقتصر على الساحة السياسية، بل انضم إليها الأمير هاري، الذي خدم في أفغانستان مؤكدًا أن تضحيات الجنود تستحق الاحترام ما يعكس عمق الحساسية المجتمعية لهذا الملف داخل بريطانيا.
أكدت القدسي أن ستارمر يحاول الموازنة بين الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع واشنطن والدفاع عن الكرامة الوطنية، إذ شدد على أن العلاقة مع الولايات المتحدة حيوية للأمن والازدهار، لكنه في الوقت نفسه رفض التنازل عن المبادئ واعتبر تهديدات الرسوم الجمركية خطأ وغير مناسبة بين الحلفاء.
أكدت القدسي بالقول إن الخلاف حتى الآن، لا يبدو كافيًا لتهديد التماسك الفوري لحلف الناتو خاصة مع استمرار التزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي.
وأضافت أنه في حال استمرت انتقادات ترامب للناتو، وتصاعد تهميش الدور الأوروبي في ملفات حساسة مثل غرينلاند وأوكرانيا، فقد يتحول الخلاف إلى تصدع حقيقي يدفع أوروبا، بما فيها بريطانيا نحو البحث عن قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية عن واشنطن.