<

«من غزة إلى باريس».. كيف يستخدم ترامب الرسوم الجمركية في الضغط السياسي؟ (خاص)

في تصعيد جديد، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض تعريفة جمركية تصل إلى 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية ردًا على رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الانضمام إلى مجلس السلام الخاص بقطاع غزة، وهو ما أعاد الجدل حول ما إذا كان ترامب يستخدم الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي مباشر، أم يوظف خطابًا ضاغطًا لتحقيق مكاسب تفاوضية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي المختص في الشؤون الروسية، في حديث خاص لموقع "مانشيت" إن هذه التهديدات لا يمكن فصلها عن العقيدة السياسية والاقتصادية التي تحكم سلوك ترامب منذ وصوله إلى السلطة.

الدكتور محمود الأفندي
الدكتور محمود الأفندي

أوضح الأفندي أن الشعار المركزي لترامب لا يعد مجرد دعاية انتخابية، بل يمثل إطارًا حاكمًا لسياسته الخارجية، مؤكدًا أن الرئيس الأميركي يرى أن استعادة قوة الولايات المتحدة تمر أولًا عبر التخلص من القيود والتحالفات التي كبلتها وفق رؤيته خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، وأشار إلى أن ترامب يعتبر أن الأحلاف العسكرية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي (الناتو) أسهمت في صعود الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية منافسة للولايات المتحدة، وهو ما يتناقض مع أولوياته الاستراتيجية.

استهداف الاتحاد الأوروبي اقتصاديا

ولفت الأفندي إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى توجيه ضربات اقتصادية مركّزة للاتحاد الأوروبي، موضحًا أن القضايا المتعلقة بالجغرافيا أو الرسوم الجمركية ليست سوى أدوات ضغط، تُستخدم في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا وتقليص قدرته على المنافسة في السوق الدولية.

وأضاف أن العقوبات الأوروبية على روسيا شكّلت نقطة تحوّل مفصلية، حيث اضطرت أوروبا للتخلي عن مصادر الطاقة الروسية منخفضة التكلفة، والاتجاه نحو الطاقة الأميركية الأعلى سعرًا، ما أضعف استقلالها الاقتصادي، وجعلها أكثر ارتباطًا بالولايات المتحدة اقتصاديًا وعسكريًا.

وأكد الأفندي أن الولايات المتحدة، بصفتها دولة استهلاكية كبرى، تستخدم الرسوم الجمركية كورقة ضغط فعالة ضد الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير إلى السوق الأميركية.

وأوضح أن رفع الرسوم الجمركية ينعكس بشكل مباشر على القطاعات الصناعية الأوروبية، مستشهدًا بما حدث مع ألمانيا حيث تسبب فرض الرسوم في أضرار كبيرة بقطاع السيارات، وأرسل إشارات سياسية واضحة بشأن تكلفة معارضة التوجهات الأميركية.

فرنسا في دائرة الاستهداف

وبيّن أن التهديدات الموجهة حاليًا لفرنسا تأتي في السياق ذاته مشددًا على أن الرسالة الأميركية واضحة أن أي خروج عن المسار الذي ترسمه واشنطن سيقابَل بإجراءات اقتصادية قاسية.

ونوه إلى أن ترامب يسعى من خلال هذه السياسات إلى ترسيخ معادلة جديدة تقوم على إخضاع الاتحاد الأوروبي للقرار الأميركي وإفهامه أن قوته الاقتصادية لم تعد محصّنة أمام الضغط الأميركي المباشر.

أوربا تدفع ثمن فقدان السيادة

وأكد الأفندي أن ما تمر به أوروبا اليوم هو نتيجة تراكمية لفقدان جزء كبير من سيادتها السياسية والاقتصادية خلال السنوات الماضية، لا سيما في ظل إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وتماهي العواصم الأوروبية مع السياسات الأميركية، خاصة في ملف العقوبات على روسيا.

وأضاف أن القارة الأوروبية باتت تدفع الثمن الآن من اقتصادها واستقلال قرارها، وسط تصاعد الخطاب الأميركي الذي يخفي قدرًا كبيرًا من الاستعلاء السياسي.

رسالة ترامب الأخيرة

وشدد الأفندي على أن رفع الرسوم الجمركية ليس هدفًا بحد ذاته، بل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يتمتع بهامش مناورة واسع، وأن أي خلاف مع واشنطن ستكون له كلفة اقتصادية فورية.

وأكد أن خطاب ترامب الأخير، بما فيه تصريحاته خلال منتدى دافوس، عكس بوضوح هذا التوجه، وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من توظيف الاقتصاد كأداة مركزية في الصراع السياسي الدولي.