تأتي تصريحات دونالد ترامب وتحركاته الأخيرة في ملف غرينلاند في سياق سياسة أميركية قائمة على الضغط الأقصى، وتعكس صراعًا متصاعدًا على النفوذ في القطب الشمالي وتكشف في الوقت ذاته عن توترات متزايدة داخل التحالف الغربي خاصة بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وسط تنافس دولي متسارع مع روسيا والصين على إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

قال الدكتور هاني الجمل، رئيس وحدة الدراسات الدولية والاستراتيجية بالمركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة، إن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية تأتي في إطار سياسة الضغط الأقصى التي دأب على استخدامها لتحقيق أهدافه الاستراتيجية مشيرًا إلى أن ملف غرينلاند يمثل أحد أبرز تجليات هذه السياسة.
وأوضح الجمل، في حديث خاص لموقع «مانشيت» أن رغبة ترامب في وضع يده على غرينلاند، سواء عبر الشراء أو من خلال بناء قواعد عسكرية تعكس محاولة أميركية لهندسة المشهد الجيوسياسي في القطب الشمالي لافتًا إلى أن الموقع الاستراتيجي للجزيرة، إلى جانب تصاعد طموحات كل من روسيا والصين في هذه المنطقة عجل بطرح الخطط الأميركية بشكل علني.
وأشار الجمل إلى أن إثارة ملف غرينلاند بهذا الشكل قد تحدث شرخا حقيقيًا داخل حلف الناتو، وهو ما أسهم في تشكل كتلتين واضحتين على الساحة الدولية،
فالكتلة الأولى تقودها الولايات المتحدة، وتعتمد على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لفرض رؤيتها في مقابل كتلة أوروبية بدأت تنظر بقلق إلى السلوك الأميركي المتجاوز لمصالحها.
ونوه إلى أن الموقف الأوروبي الرافض لا ينفصل عن شعور متزايد داخل الاتحاد الأوروبي بأن ترامب لا يعترف بميزان قوى أوروبي مستقل، سواء في تعاطيه مع الحرب الروسية الأوكرانية أو في مطالبته العلنية بغرينلاند، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس رؤية أميركية تتعامل مع أوروبا بوصفها تابعًا لا شريكًا استراتيجيًا.
بين الجمل أن لجوء ترامب مجددًا إلى فرض رسوم جمركية، تقدر بنحو 10% لا يمكن فصله عن استخدام الاقتصاد كسلاح ضغط سياسي موضحًا أن هذه الرسوم استهدفت بشكل غير مباشر دولًا أوروبية رفضت الوجود الأميركي في غرينلاند، بل وذهبت إلى خطوات عملية عبر إرسال قوات أو دعم عسكري للجزيرة لإحباط المخطط الأميركي.
وشدد على أن هذه السياسة ليست جديدة إذ سبق لترامب أن استخدم الرسوم الجمركية ضد الاتحاد الأوروبي والصين وعدد من الدول الأخرى تحت شعار تحقيق ميزان تجاري عادل لكنه اليوم يوظفها في سياق جيوسياسي أكثر خطورة.
أوضح الجمل أن نجاح الولايات المتحدة في فرض سيطرتها على غرينلاند قد يحمل تداعيات استراتيجية خطيرة، مشيرًا إلى أن ذلك قد يفتح الباب أمام روسيا للمطالبة أو توسيع نفوذها في مناطق حساسة مثل بولندا أو حتى ألمانيا، وهو ما يضع الأمن الأوروبي أمام تحديات غير مسبوقة.
وأضاف أن أوروبا تجد نفسها اليوم بين جاذبيتين قويتين الأولى تتعلق بإمكانية التفاهم مع الولايات المتحدة، والثانية بفتح قنوات اوسع مع روسيا، وهو خيار بات يُطرح داخل بعض الدوائر الأوروبية نتيجة تصاعد الضغوط الأميركية.
وحول البعد الاقتصادي قال الجمل أن الميزان التجاري لا يزال يميل نسبيًا لصالح أوروبا فإن التواجد الأميركي المكثف في بؤر استراتيجية مثل أوكرانيا وتايوان يؤكد سعي واشنطن إلى التحكم في الموارد الحيوية والتأثير على مسارات التنمية الأوروبية.
وأكد أن فرض الرسوم على الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات والعابرة للحدود سيجعل أوروبا الطرف الأكثر تضررًا على المدى المتوسط معتبرًا أن الصراع الحالي هو حرب إرادات وقدرة على التحمل، وأن الكفة سترجح في النهاية لصالح الطرف القادر على توظيف أدوات الضغط وبناء جغرافيا سياسية واقتصادية بديلة تعوض خسائر هذا الصدام المتصاعد بين ضفتي الأطلسي.