أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب من 66 منظمة دولية، أممية وغير أممية، في مشهد يُعيد ترتيب علاقتها بالنظام الدولي، ضمن مراجعة أوسع لدورها والتزاماتها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك انسحابها من الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، وبرّرت الإدارة الأميركية الانسحاب بتعارض تلك المنظمات مع مصالح الولايات المتحدة، وهو ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام العالمي ودور واشنطن فيه.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عبدالله نعمة، أستاذ العلاقات الدولية، في حديث خاص لموقع "مانشيت" إن ما نشهده اليوم ليس انسحابا تقنيا من مؤسسات بعينها، بل يعد تحوّلًا عميقًا في فلسفة الدور الأميركي داخل النظام الدولي.

لفت نعمة إلى أن الإدارة الأميركية تبرر هذه الخطوات باعتبارها دفاعا عن المصلحة القومية معتبرة أن كثيرا من المؤسسات الدولية باتت تُقيّد حرية القرار الأميركي وتحمّلها أعباء مالية وسياسية غير متكافئة، وأوضح هذا الخطاب يعكس نزعة متنامية داخل واشنطن لإعادة تعريف مفهوم القيادة، من قيادة شاملة للنظام الدولي إلى انخراط انتقائي مشروط بالعائد المباشر.
وأشار نعمة إلى أن الانسحاب الأميركي لا يمكن فصله عن تحولات بنيوية في ميزان القوى العالمي، موضحا أن صعود الصين وروسيا إلى جانب الانقسام الداخلي الأميركي حول كلفة دور شرطي العالم أسهم في تغذية هذا التوجه.
وبيّن أن النزعات القومية والشعبوية داخل الولايات المتحدة تنظر إلى العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف كعبء، لا كأداة نفوذ استراتيجي طويل الأمد.
وأكد الدكتور عبدالله نعمة أن الحديث عن انهيار فوري للنظام الدولي قد يكون مبالغا فيه، لكنه نوه إلى أن المنظومة القائمة منذ الحرب العالمية الثانية تمرّ بحالة اهتزاز غير مسبوقة، وأوضح أن تراجع القيادة الأميركية يفتح الباب أمام نظام دولي متعدد الأقطاب، لكنه نظام غير مكتمل تفتقر فيه القوى الكبرى إلى القدرة على إنتاج توافقات جماعية مستقرة.
وعن الآثار المباشرة، قال نعمة إن غياب الولايات المتحدة، باعتبارها ممولا رئيسيا وصانع قرار له تأثير كبير، يضعف فعالية المنظمات الدولية في مواجهة الأزمات الكبرى، وأشار إلى أن ملفات مثل الصحة العالمية والمناخ واللاجئين ستكون الأكثر تضررا، موضحا أن انسحاب قوة صناعية واقتصادية بحجم الولايات المتحدة يفرّغ كثيرا من الاتفاقيات من مضمونها العملي.
وأشار نعمة إلى أن الدول النامية ستكون الخاسر الأكبر من هذا التحول، موضحا أنها تعتمد بشكل أساسي على المنظمات الدولية في التمويل والدعم الفني والحماية السياسية، وأضاف أن تراجع الدور الأميركي سيجعل هذه الدول أكثر عرضة للضغوط الإقليمية، وأقل قدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية والصحية.
وأوضح نعمة أن تبرير الانسحاب بحماية المصلحة القومية قد يلقى قبولا داخليا في الولايات المتحدة، لكنه يواجه تشكيكا دوليا واسعا، وأكد أن النفوذ الأميركي تاريخيًا بُني على قيادة النظام الدولي لا الانسحاب منه، محذرا من أن المكاسب قصيرة الأمد قد تُقابل بخسائر استراتيجية على المدى البعيد.