أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي لوّح فيها بفرض السيطرة على جزيرة غرينلاند (باللين أو بالشدة)، تساؤلات جوهرية حول ملامح السياسة الخارجية الأميركية. فهل تعكس هذه اللهجة الحادة مجرد مناورة سياسية، أم أنها مؤشر على تحول جذري في السلوك الدولي لواشنطن؟ تأتي هذه التطورات في توقيت حساس يشهده النظام العالمي، حيث تتزايد ملامح تفكك القواعد الدولية القديمة لصالح مرحلة جديدة من إعادة التشكيل والصياغة.
وتسعى واشنطن للسيطرة على موارد الطاقة في فنزويلا، وإدارة مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة، إضافة إلى الضغط على كاراكاس لطرد المستشارين الروس والصينيين والإيرانيين، مع احتجاز ناقلات نفط روسية في شمال المحيط الأطلسي، وهو ما اعتبرته موسكو انتهاكا للقانون البحري.
وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحفي في نيويورك والمتخصص في الشؤون الأميركية أحمد محارم في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن العالم يقف بالفعل أمام تغير كبير في المفاهيم، مشيرا إلى أن النظام العالمي يشهد حالة انهيار متسارع تمهيدا لإعادة تشكيل نظام دولي جديد.

وأوضح محارم أن الولايات المتحدة تسعى لقيادة هذا التشكيل الجديد وفق منطق أميركا أولا، معتبرا أن هذا التوجه لا ينفصل عن تصاعد النزعة الأحادية واستخدام أدوات القوة الصلبة بشكل مباشر.
وأشار محارم إلى أن منطق القوة لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل تُرجم عمليا في وقائع ملموسة، لافتا إلى حادثة اختطاف رئيس فنزويلا ونقله إلى نيويورك ومحاكمته خلال 48 ساعة، بوصفها نموذجا صارخا لعودة هذا المنطق إلى صدارة السياسة الأميركية. وأكد أن هذه الواقعة تعكس استعداد واشنطن لاستخدام أدوات غير تقليدية لفرض إرادتها، دون اعتبار كبير للأعراف الدولية التي حكمت السلوك بين الدول لعقود.
وأشار محارم إلى أن تصريحات ترامب بشأن غرينلاند لا يمكن فصلها عن صراع النفوذ المتصاعد في منطقة القطب الشمالي، حيث تتقاطع المصالح الأميركية مع روسيا والصين، سواء من حيث السيطرة على الممرات البحرية الجديدة أو الموارد الطبيعية الاستراتيجية. وبيّن أن غرينلاند تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية بالغة الأهمية، ما يجعلها جزءا من معركة أوسع لإعادة توزيع موازين القوة العالمية في مرحلة ما بعد النظام الدولي التقليدي.
ولفت محارم إلى أن صراع النفوذ سيكون أحد الروافد الأساسية لهذا التغير السريع، معتبرا أن العالم لم يعد يتحرك وفق قواعد الاستقرار الطويل، بل وفق ديناميكيات فرض الأمر الواقع، وتسريع التحولات قبل أن تتبلور أطر سياسية أو قانونية ناظمة لها. وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى حجز موقع متقدم في النظام القادم قبل اكتمال ملامحه، حتى لو تطلّب ذلك كسر الخطوط الحمراء السابقة.
وأشار محارم إلى أن ملامح المرحلة المقبلة ستتضح سريعا، مرجحا أن تكشف الأسابيع والأشهر القادمة عن خطوات أكثر وضوحا في هذا الاتجاه، سواء على مستوى التحركات العسكرية أو القرارات السياسية المفاجئة. وأكد أن العالم دخل بالفعل مرحلة انتقالية مضغوطة زمنيا، حيث تتسارع الأحداث بشكل غير مسبوق ما يجعل من الصعب العودة إلى قواعد النظام الدولي القديم.