<

صراع القوى| أوروبا وأميركا في مواجهة الصين وروسيا.. هل يُعاد رسم النظام الدولي؟ (خاص)

تشهد الساحة الدولية تحولات جيوسياسية متسارعة، مما يضع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية أمام تحديات متعددة في التعامل مع الصين وروسيا، إضافة إلى قضايا الهجرة الداخلية، وتبرز هذه الملفات كمؤشرات على الأزمة الأوسع المتعلقة بإعادة صياغة النظام الدولي وتوزيع النفوذ العالمي.

أوضح الدكتور إسماعيل تركي، استاذ العلوم السياسية، في حديث خاص لموقع "مانشبت"، أن أوروبا تعاني فجوة واضحة بين قدراتها التنظيمية ونفوذها الجيوسياسي تجاه الصين، مشيرا إلى أن هذا التباين يجعل صوتها ضعيفا أمام بكين، ونوه إلى أن هناك ثلاثة اختلالات رئيسية.

استاذ العلوم السياسية إسماعيل تركي
استاذ العلوم السياسية إسماعيل تركي

3 اختلالات رئيسية

أولا: اختلاف النظرة الأوروبية تجاه الصين بين المصالح القومية والخوف من الهيمنة التكنولوجية، ما يجعل بكين تتعامل مع العواصم الأوروبية فرادى بدلاً من الاتحاد ككتلة موحدة.

ثانيا: محاولات أوروبا الحد من المخاطر دون القطيعة التامة مع الصين، وهو ما يجعلها رهينة لسلاسل التوريد الصينية.

ثالثا: الضغط الأميركي لمحاصرة الصين وضع أوروبا بين خيارين: إما الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية أو مواجهة التحديات الاقتصادية بمفردها، وهو ما كشفت عنه الأزمة الروسية الأوكرانية وتأثيرها على الغاز والنفط الروسي.

انعكاس لأزمة أوسع في طبيعة النظام الدولي

وأشار تركي إلى أن هذه المعاناة الأوروبية ليست سوى انعكاس لأزمة أوسع في طبيعة النظام الدولي، حيث تسعى دول متعددة مثل روسيا والصين لإعادة تشكيل قواعد اللعبة بما يحقق مزيداً من العدالة والاحترام لمصالحها.

الصفقة الروسية الأميركية وإعادة تقييم الموقف

وذكر الدكتور تركي أن الجدل حول سبب عدم قبول بوتين لصفقة ترامب يرتبط بأهداف روسيا من العملية العسكرية في أوكرانيا، التي بدأت في فبراير 2022، والتي ركزت على ضمان عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وحماية السكان من ذوي الأصل الروسي في شرق الدونباس.

وأشار إلى أن بوتين اعتبر أن أي تسوية لا تضمن اعترافاً كاملا بالخرائط الجديدة وضمانات أمنية مكتوبة ستشكل هدنة تكتيكية تخدم الغرب أكثر من روسيا، كما أشار إلى أن الموقف الروسي يعتمد على تقدير احتمال تآكل صمود أوكرانيا أو حدوث تغير في الموقف الغربي يحقق لموسكو مكاسب أكبر من تلك المطروحة حاليا.

التحديات الأميركية في ملف الهجرة

ونوه الدكتور تركي إلى أن إدارة الهجرة الأميركية تمثل اختبارا لتماسك الولايات المتحدة كقطب دولي، مشيراً إلى أن الانقسام الداخلي حول هذا الملف قد يستنزف قدراتها السياسية والمالية، ويمنح منافسيها (الصين وروسيا) مساحة للتحرك في مناطق نفوذ أخرى.

وشدد على أن الإصلاح الواقعي لنظام الهجرة يجب أن يشمل تشديد الرقابة على الحدود ومكافحة الهجرة غير القانونية باستخدام أحدث الوسائل، واستحداث بدائل قانونية مرنة للعمالة المطلوبة، وربط الهجرة بالنمو الاقتصادي لتخفيف حدة الخطاب العنصري.

إضافة إلى الانتقال من نظام الهجرة العائلي إلى نظام النقاط لجذب الكفاءات الضرورية، مع منح وضع قانوني للأطفال الذين دخلوا البلاد سابقا بهدف استعادة التوافق الداخلي دون إثارة انقسام جديد.

الربط بين الملفات الثلاثة

وأشار الدكتور تركي إلى أن هذه الملفات الثلاثة (ضعف أوروبا أمام الصين، والحرب الروسية في أوكرانيا، والانقسام الأميركي حول الهجرة) تعكس أزمة أكبر مرتبطة بعدم رضا بعض الدول عن طبيعة النظام الدولي الحالي، وأوضح أن محور (موسكو- بكين) يستفيد من التردد الأوروبي والانقسام الأميركي لتعزيز البدائل الاقتصادية والأمنية، في محاولة لإعادة رسم ملامح التنافس الدولي على نحو أكثر عدالة لمصالح هذه الدول.