عامان على حرب غزة.. تحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين الصدع والانكشاف (خاص)

مانشيت

بعد مرور عامين على اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة، لا تزال ارتدادات هجوم السابع من أكتوبر تلقي بظلالها على المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل.

فما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان كما يرى كثير من المراقبين لحظة فاصلة كشفت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وعمق الفجوة بين الخطاب الدعائي والواقع الميداني.

الكاتب محمد الليثي 
الكاتب محمد الليثي 

وفي حديث خاص لموقع "مانشيت"، قال الكاتب والباحث المتخصص في الشؤون الإسرائيلية محمد الليثي، إن هجوم السابع من أكتوبر كشف فشلاً في منظومة الأمن والإنذار المبكر الإسرائيلية، موضحاً أن طبقات الرصد والاستجابة انهارت في ساعات حرجة، بما أطاح بصورة الجيش وأحدث صدعاً عميقاً في عقيدته الأمنية والعسكرية.

الضرب الاستباقي

وأشار الليثي إلى أن الانتقال المعلن داخل المؤسسة الإسرائيلية إلى مبدأ الضربة الاستباقية جاء بمثابة اعتراف ضمني بالعجز عن مواصلة نهج إدارة المخاطر الذي تبنّته تل أبيب طوال العقدين الماضيين، لكنه لم ينجح في معالجة الخلل الهيكلي في منظومة القيادة والسيطرة.

وأوضح أن تعدد الإخفاقات التكتيكية وتضارب الرسائل بين المستويين السياسي والعسكري يعكس أزمة في التنسيق المؤسسي، ما جعل القرارات العسكرية خاضعة في كثير من الأحيان لحسابات سياسية داخلية، لا لمنطق العمليات الميدانية.

توسيع الجبهات هروب إلى الأمام

وأكد الباحث أن توسيع نطاق العمليات إلى ما وراء الجبهات التقليدية بدا محاولة للهروب إلى الأمام أكثر منه استراتيجية مدروسة لاستعادة الردع، مشيراً إلى أن هذا التوسع أفضى إلى استنزاف ممتد وتوسيع جبهات الاحتكاك دون تحقيق حسم سياسي أو عسكري واضح.

وأضاف الليثي أن الرهان على التفوق النوعي والتكنولوجي لم يعالج فجوة العقيدة والتنظيم لافتاً إلى أن التقنيات المتقدمة "لم تمنع الاختراقات الأمنية ولا تعطيل قدرات الخصوم على المناورة، وهو ما يكرس فجوة متزايدة بين الأدوات المتطورة والجاهزية العملياتية على الأرض.

ثقافة التكتيك الفوري

ونوه الليثي إلى أن ثقافة التكتيك الفوري التي تهيمن على صناع القرار الأمني والعسكري في إسرائيل أثبتت فشلها في مواجهة تهديدات مركبة ومتعددة الجبهات، إذ غاب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى وتراكمت الأخطاء الاستخباراتية مع اندفاع عملياتي غير محسوب، مما جعل الأهداف المعلنة للحرب بعيدة عن التحقق.

الخلط بين السياسي والعسكري معضلة بلا مخرج

وأوضح الباحث أن إدارة الحرب على غزة تحولت إلى نموذج لفشل المزج بين الأهداف السياسية والعسكرية، فالحرب الشاملة لم تنهِ قدرات الخصم على التجدد، بل عمّقت الكلفة الإنسانية والقانونية، وأضرت بصورة إسرائيل الدولية.

وأضاف أن الانقسامات الداخلية وصعود التيارات اليمينية والدينية المتشددة انعكست مباشرة على تسييس القرار العسكري ما زاد من ارتباك الأولويات وعمّقت فجوة الثقة بين القيادة والجمهور الإسرائيلي، وأضعفت تماسك الجبهة الداخلية.

وشدد الليثي على أن محاولات إعادة تشكيل الردع عبر رسائل القوة النارية فشلت في إحداث أثر طويل الأمد، إذ لم تقتنع فصائل المقاومة بكلفة التصعيد، بينما تزايدت كلفة الاستنزاف على إسرائيل مادياً وبشرياً وسياسياً.

وأشار إلى أن توجيه العمليات نحو الدائرة الثالثة لم يغيّر من معادلة المخاطر بقدر ما ضاعف احتمالات توسّع المواجهة وتدويلها، ما يضع إسرائيل أمام معادلة فشل مزدوج إما حرب بلا أفق أو ترتيبات أمنية لا تعكس أهدافها القصوى.

استنزاف بلا إنجاز

وبين الليثي أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي الذي يسوّغ استمرار الحرب باعتبارها ضرورة أمنية يكشف مأزقاً استراتيجياً يتمثل في غياب رؤية واضحة للخروج، وتحول مبدأ الاستباق إلى حالة استنزاف مزمنة تستهلك الموارد دون إنجاز حاسم.

وأكد الباحث أن حصيلة العامين الماضيين تكشف عن فشل مركب داخل المؤسسة الإسرائيلية، يجمع بين الإخفاق الاستخباراتي والعملياتي، والعجز عن تحقيق الحسم أو استعادة الردع، فضلاً عن التآكل الداخلي والانكشاف السياسي، وهو ما يجعل إسرائيل أمام أزمة عقيدة أمنية غير مسبوقة منذ تأسيسها.