ترسيم حدود لبنان وقبرص.. تحول يفتح فصلًا جديدًا في سياسات شرق المتوسط (خاص)
وقع لبنان وقبرص اتفاقا طال انتظاره لترسيم الحدود البحرية، مما يمهد الطريق أمام إمكانية التنقيب عن حقول الغاز البحرية والتعاون في مجال الطاقة في البحر المتوسط، في خطوة ذات دلالات سياسية وتأثير على توازنات المنطقة.
وقال الباحث الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور أحمد يونس، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص جاء في توقيت يشهد تراكماً للتوترات الإقليمية وتشابكاً للحسابات الداخلية والخارجية. وأوضح أن الخطوة تبدو ظاهرياً إجراءً قانونيا وتقنياً، لكنها تحمل في مضمونها رسائل سياسية واضحة، أهمها سعي لبنان إلى استعادة زمام المبادرة في ملف موارده البحرية بعد سنوات من التعطيل والتجاذب.

إعادة تنشيط ملف الثروات الغازية
ولفت إلى أن الاتفاق يمكن قراءته كمحاولة لبنانية لإعادة تنشيط ملف الثروات الغازية ووضع البلاد مجدداً على خريطة الاستكشاف في شرق المتوسط، خصوصاً في ظل الحاجة الاقتصادية الملحّة لهذه الموارد.
وأشار يونس إلى أنه لا يمكن فصل هذا التطور عن المشهد المتسارع على الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، حيث تتواصل الوساطات الدولية، خصوصاً الأميركية، لاحتواء التوتر ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع.
وأكد أن لبنان، في هذا السياق، يبدو كمن يحاول رسم مساحات الاستقرار الممكنة في الشمال البحري مع قبرص، ليعزز بذلك موقفه التفاوضي جنوباً، ويقدم نفسه كدولة قادرة على إدارة مواردها وحدودها رغم الظروف الصعبة. ونوه بأن هذه الخطوة تعكس نوعاً من إعادة التموضع المدروسة التي تسعى عبرها بيروت لتثبيت حضورها ووضوح رؤيتها في الملفات البحرية والاستراتيجية.
تعاون أوسع في الطاقة
وبيّن يونس أن الاتفاق من شأنه أن ينعكس بصورة إيجابية على العلاقات اللبنانية القبرصية، إذ يفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات الطاقة والبحث المشترك وتبادل الخبرات البحرية.
كما أوضح أن إزالة عقبة ترسيم الحدود كانت خطوة أساسية تسمح بإطلاق مشاريع محتملة في النقل البحري وخطوط الأنابيب وإدارة الموارد المتجاورة، لافتاً إلى أن قبرص، بصفتها عضواً في الاتحاد الأوروبي، ستنظر إلى استقرار حدودها مع لبنان كعامل داعم لتوسيع مساحات التعاون مع دول المنطقة، وهو ما يمنح بيروت منفذاً إضافياً باتجاه أوروبا.
وأضاف أن الاتفاق يعزز أيضا موقع لبنان القانوني في أي نزاعات بحرية محتملة، وسط استمرار التعقيدات في الجنوب، مؤكدا أن تثبيت حدوده الاقتصادية شمالاً يعطيه قاعدة صلبة في مواجهة أي محاولات خارجية لفرض وقائع جديدة في المياه العميقة.
وأشار إلى أن هذا التطور قد يساهم في إعادة ترتيب المشهد البحري في شرق المتوسط بما يشمل إسرائيل والاتحاد الأوروبي، نظرا لإنعكاس أي تغيّر في الترسيمات على مسارات الطاقة والاستثمارات وخريطة النفوذ البحري.
وأكد يونس أن الاتفاقية تتجاوز كونها خطوة حدودية، لتشكل مدخلا محتملا لإعادة تموضع لبناني بشكل أكثر توازنا، شرط أن تستكمل بخطوات جدية في عمليات الاستكشاف وبإدارة وطنية شفافة قادرة على حماية الحقوق وتحويل الثروات البحرية إلى رافعة اقتصادية تعيد شيئاً من الاستقرار المفقود للبلاد.
