«أميركا أولا».. نهج ترامب الجديد في السياسة الخارجية يمزج بين القوة والمساومة (خاص)
بعد عودته للبيت الأبيض في يناير 2025، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إشعال النقاش حول مستقبل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وذلك عبر تحركات وتصريحات متسارعة طالت محاور تمتد من غزة إلى فنزويلا وبكين.
هذه التحركات توحي بأن واشنطن تدخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع الدولي، في ظل نهج يجمع بين التهديد والمساومة، والقوة والمكسب السريع، في إطار رؤيته الشهيرة: أميركا أولا.

قالت الدكتورة هبة القدسي، مدير مكتب جريدة الشرق الأوسط بواشنطن والمحللة السياسية بمعهد وودرو ولسون سابقاً، إن تحركات ترامب في ملف غزة تكشف عن نهج يمزج بين الدبلوماسية والتهديد العسكري.
ولفتت إلى أن ترامب قدّم نفسه كوسيط قوي يسعى لوقف إطلاق النار مقابل الإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين خلال 72 ساعة، لكنه في الوقت نفسه حذّر من الإبادة الكاملة لحركة حماس إذا رفضت التنازل عن السلطة.
وأشارت القدسي إلى أن هذا النهج يعكس مزيجاً من الضغط الدبلوماسي والتهديد العسكري، ويهدف إلى ترسيخ النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، مستفيدا من دعم إسرائيلي مشروط وضمانات أمنية تتصل بمواجهة إيران.
وأكدت أن إدارة ترامب تحاول إنهاء الصراع سريعاً عبر مفاوضات تجري في القاهرة، بما يضمن لواشنطن دوراً مركزياً في صياغة الترتيبات الإقليمية المقبلة.
فنزويلا تصعيد عسكري لتحقيق مكاسب أمنية
أوضحت القدسي أن سياسة ترامب تجاه فنزويلا تتجه نحو تصعيد عسكري واضح ضد نظام نيكولاس مادورو، الذي تتهمه واشنطن بدعم كارتلات المخدرات التي تهدد الأمن القومي الأميركي.
وبينما دفعت الإدارة الأميركية باتجاه خيارات لضربات عسكرية داخل فنزويلا ضد أهداف مرتبطة بتجارة المخدرات، فقد أعلنت أيضاً تصنيف جماعة ترين دي أراكوا كمنظمة إرهابية، وأخطرت الكونغرس بأن الولايات المتحدة في نزاع مسلح مع هذه الكارتلات.
وأشارت القدسي إلى أن ترامب يستخدم هذا التصعيد كأداة ضغط تفاوضي، إذ عقد صفقة مع كاراكاس تقضي بإعادة مهاجرين غير شرعيين، بينهم عناصر من العصابات، مقابل إفراج فنزويلا عن رهائن أميركيين.
وأكدت أن هذا النموذج يعكس منهج ترامب في تحويل القوة إلى مكاسب عملية، سواء في ملف الهجرة أو مكافحة الجريمة المنظمة.
المعادلة الدقيقة بين الاقتصاد والأمن القومي
ولفتت الدكتورة هبة القدسي إلى أن تعامل ترامب مع الصين يتسم بالمعادلة الدقيقة بين الاقتصاد والأمن القومي.
وأوضحت أن الرئيس الأميركي أوقف مساعدات عسكرية لتايوان بقيمة 400 مليون دولار للضغط على بكين من أجل صفقة تجارية كبرى، بينما يلوّح بورقة تايوان كورقة ضغط سياسية واقتصادية.
وقالت إن ترامب يسعى لجذب استثمارات صينية ضخمة تصل إلى تريليون دولار داخل الولايات المتحدة، مقابل تقليص قيود الأمن القومي على الصفقات الصينية، ودفع تايوان لنقل جزء كبير من إنتاج الرقائق إلى الداخل الأميركي.
وأكدت أن هذا النهج يعكس توجهاً هجومياً محسوباً، يربط بين التجارة والسياسة، ويهدف إلى إعادة تموضع الاقتصاد الأميركي على حساب الحلفاء التقليديين.
نهج أكثر صرامة في ملفات الهجرة والتجارة والأمن
ترى القدسي أن مجمل تحركات ترامب تعكس استراتيجية جديدة، مستوحاة من مشروع 2025 الذي يدعو لنهج أكثر صرامة في ملفات الهجرة والتجارة والأمن.
وأكدت أن ترامب يعتمد سياسة الضغط المدروس لاستخراج تنازلات سريعة تعود بالنفع المباشر على واشنطن، سواء في شكل إطلاق رهائن أو خفض للهجرة أو جذب استثمارات، ومع ذلك، حذرت من أن هذا النهج قد يؤدي إلى فوضى دولية إذا فشل في الحفاظ على التحالفات التقليدية، أو إذا بالغ في استخدام القوة على حساب الدبلوماسية.
