خاص| هل يعزز التقارب المصري التركي التوازن الاستراتيجي بالمنطقة؟
تشهد منطقة شرق المتوسط تحولات استراتيجية لافتة، تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي. فبينما أطلقت القاهرة وأنقرة مؤخرًا مناورات بحرية مشتركة تعكس مستوى جديدًا من التقارب، بدأت مصر خطوات عملية لتدريب قوات الأمن الفلسطينية في إطار ما يُطرح إعلاميًا بمسمى «غزة الجديدة»، بما يثير تساؤلات حول انعكاسات هذه التحركات على موازين القوى بالمنطقة.
وفي حديث خاص لموقع «مانشيت»، قال الدكتور هاني سليمان، مدير المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة، إن استعادة العلاقات بين مصر وتركيا تمثل خطوة استراتيجية كبرى من شأنها تعزيز قدرات الدولتين على مستوى التوازن الإقليمي والعسكري.

وأوضح أن هذا التقارب جاء بخطوات ملموسة وسريعة، في ظل إدراك متبادل لحجم المخاطر الإقليمية والتحديات المحيطة بالطرفين، وهو ما جعل التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار سياسي.
التهديدات الإسرائيلية ودوافع التقارب
وأشار سليمان إلى أن مصر وتركيا تواجهان تحديات مشتركة، وفي مقدمتها التهديد المباشر الذي تمارسه إسرائيل تجاه الدولة المصرية، عبر محاولات فرض الأمر الواقع بخطط التهجير والخطاب العدائي المتصاعد ضد القاهرة في الفترة الأخيرة.
وأوضح أن هذه السياسات العدائية عززت الحاجة إلى تقارب مصري–تركي يعكس ردعًا أمنيًا وعسكريًا في مواجهة تلك المخاطر.
مطامع إسرائيل وحسابات الصدام
ولفت الباحث إلى أن خطابات نتنياهو والكتابات الإسرائيلية الأخيرة تكشف عن مطامع إسرائيلية متزايدة في الإقليم، بينما تشهد الساحة السورية خلافات تكتيكية واستراتيجية عميقة.
وأضاف أن أنقرة تدرك أن هناك مرحلة من الصدام المباشر مع إسرائيل قد تقترب، وهو ما يدفعها مع القاهرة إلى تبادل رسائل سياسية ودبلوماسية واضحة مدعومة بتنسيقات ومناورات عسكرية مشتركة تحمل دلالات ردع قوية.
عودة العلاقات بعد عقد من القطيعة
وشدد سليمان على أن العلاقات بين البلدين التي بدأت عام 2009 وتوقفت في 2013، تحمل دلالات كبيرة بعد استعادتها عقب 13 عامًا.
وقال إن هذه العودة تعد طيًا لصفحة الماضي بالكامل وبناء علاقات استراتيجية أقوى من السابق، وهو ما يثير مخاوف كبيرة لدى إسرائيل التي ترى في هذا التقارب تهديدًا مباشرًا لطموحاتها بالانفراد بصناعة القرار الإقليمي.
وبين أن القدرات الاستراتيجية والعسكرية للدولتين، إضافة إلى المناورات المشتركة، تُعد رسائل مفتوحة لإسرائيل والولايات المتحدة معًا، بأن معادلات القوة في المنطقة تشهد إعادة تشكيل جديدة.
المناورات العسكرية ورسائل البحر
وأوضح أن المناورات الأخيرة التي شاركت فيها قطع بحرية وسفن حربية متقدمة تؤكد أن القاهرة وأنقرة تسعيان لمحاكاة سيناريوهات الحرب في أبعادها المختلفة، بحيث يكون البحر جزءًا رئيسًا من أي مواجهة محتملة.
وأكد أن هذه التدريبات تمثل خطوة مهمة للغاية في هذا التوقيت، لأنها تكشف عن الجهوزية القتالية والقدرة المصرية على الدفاع عن أمنها القومي ومياهها الإقليمية، كما تبعث برسائل ردع واضحة للخصوم.
التحرك الأمريكي ومحاولة الاحتواء
ومن جهة أخرى، قال سليمان إن الولايات المتحدة الأمريكية سرعان ما التقطت هذا التحرك المصري التركي، وبدأت مساعيها لتفريغ التحالف من قوته.
وأشار إلى أن واشنطن تحاول إغراء أنقرة عبر دعوة الرئيس رجب طيب أردوغان لزيارة البيت الأبيض، وتوقيع اتفاقات اقتصادية جديدة، إضافة إلى تحريك ملفات صفقات تسليح كانت مجمدة.
وأكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى في هذا التوقيت إلى تحييد الموقف التركي أو على الأقل تجميده، بحيث لا يتحول إلى داعم استراتيجي في حال وقوع أي صدام مصري مقيم إسرائيلي مستقبلًا.
