محلل سياسي يكشف لـ«مانشيت» دلالات رغبة روسيا في تمديد «معاهدة نيو ستارت»
جدد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رغبته في تمديد «معاهدة نيو ستارت» للحد من التسلح النووي، التي تم توقيعها بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية عام 2010، قبل أن تنتهي في فبراير المقبل، وفي المقابل، رد البيت الأبيض مشيرًا إلى نيته الحديث حول هذا الملف قريبًا، وذلك على الرغم من تباين الآراء في الداخل الأميركي حول الاستجابة أو الرفض لطلب روسيا.
ما هي معاهدة نيو ستارت؟
معاهدة «نيو ستارت» تُعد آخر عملية لمراقبة تطوير الأسلحة النووية فيما بين روسيا والولايات المتحدة الأميريكية، وتم التوقيع عليها عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، وجاءت خلفًا لمعاهدة «تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية» التي بدأت بين الطرفين منذ عام 2002.
وبموجب هذه المعاهدة، يلتزم الطرفان بنشر ما لا يتعدى 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا و700 من قاذفات القنابل والصواريخ بعيدة المدى بحد أقصى، كما يحق لكل من واشنطن وموسكو إجراء عمليات تفتيش متبادلة على مدار العام للتأكد من التزام كليهما ببنود المعاهدة.
دلالات أمنية وسياسية لتمديد نيو ستارت
في تصريح خاص لموقع «مانشيت» قال المحلل السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، «ديميتري بريجع»، أن رغبة بوتين في التمديد تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، أولاً رسالة إلى الداخل الروسي وإلى العالم بأن روسيا، رغم كل التوترات والعقوبات، ما زالت قادرة على المبادرة وصياغة أجندة الأمن الدولي، وأنها قوة مسؤولة تحاول ضبط قواعد اللعبة بدلاً من كسرها.
وعن الدلالات الأخرى، فأكد أن هذه الدعوة تمثل اعترافًا ضمنيًا من موسكو بأهمية استمرار القيود والآليات التي تمنع الانفلات النووي، ليس بدافع الضعف بل بدافع العقلانية الاستراتيجية، كما أن التمديد يمنحها هامشًا زمنيًا ضروريًا لمواصلة تطوير بنيتها الدفاعية والتكنولوجية من دون الدخول في سباق مكلف قد يستنزف مواردها ويزيد الضغوط الاقتصادية عليها.
وأضاف «ديميتري»: طرح فكرة التمديد في لحظة تشهد العلاقات الروسية الأمريكية توترًا غير مسبوقًا يهدف إلى توجيه رسالة مزدوجة للولايات المتحدة بأن روسيا لا تزال شريكًا لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن العالمي، وللعالم بأن موسكو تتمسك بالاستقرار الدولي حتى عندما تُصعّد واشنطن سياساتها العدائية.
وأكد أن بوتين يحاول وضع الولايات المتحدة أمام اختبار سياسي وأخلاقي، هل هي راغبة في الحفاظ على منظومة الأمن الجماعي؟، أم أنها تفضل دفع العالم نحو المجهول عبر سباق تسلح جديد يهدد الجميع؟
تمديد المعاهدة يحمل بعدًا رمزيًا
ومن جانبه أشار المحلل السياسي، إلى أن هناك بعدًا رمزيًا لرغبة روسيا في التمديد، فالمعاهدة رغم كونها وثيقة تقنية تتعلق بعدد الرؤوس النووية وأنظمة الإطلاق، تمثل في نظر الرأي العام العالمي مؤشرًا على مدى التزام أكبر قوتين نوويتين في العالم بمسؤولياتهما التاريخية.
ومن هنا أكد «ديميتري» أن بوتين بطرحه تمديد المعاهدة، يحاول تقديم روسيا كدولة تتصرف بعقلانية وتوازن، في مقابل تصوير الولايات المتحدة كجهة قد تضحي بالاستقرار الدولي خدمة لأهدافها السياسية الضيقة.
وأشار أيضًا، إلى أن هذا البعد الرمزي له تأثير كبير على الدول الأوروبية وعلى الرأي العام الدولي، خصوصًا في ظل قلق متزايد من تراجع دور المؤسسات الدولية وتزايد احتمالات المواجهات العسكرية الكبرى.
آراء متفاوتة في واشنطن
وعن استجابة واشنطن لرغبة بوتين في تمديد نيو ستارت، قال «ديميتري بريجع»، أنه لا يمكن تجاهل أن واشنطن تنظر إلى المسألة من زاوية أكثر تعقيدًا؛ فهناك تيار داخل الولايات المتحدة يرى أن أي تمديد للمعاهدة يجب أن يترافق مع إشراك الصين أو على الأقل الضغط عليها للدخول في نظام مماثل للرقابة.
وهناك من يرى أن استمرار المعاهدة يمنح روسيا فرصة لتثبيت قوتها العسكرية، بينما الأفضل هو تركها تنهار لفتح الباب أمام تفوقأمريكي جديد في المجال النووي.
وفي المقابل، هناك أيضًا تيار واسع داخل الأوساط الأكاديمية والعسكرية الأمريكية يرى أن التخلي عن نيو ستارت سيكون خطأً استراتيجيًا كبيرًا، لأنه سيؤدي إلى سباق مكلف لن يفيد أحدًا.
ويرى «ديميتري» أن الولايات المتحدة تنظر إلى مسألة تمديد معاهدة نيو ستارت من منظور استراتيجي شامل يرتبط بمصالحها العليا في موازنة القوة مع روسيا، أكثر من كونه مجرد استجابة لرغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
واختتم حديثه قائلاً: "بوتين، بطرحه تمديد المعاهدة، لم يخاطب واشنطن فقط، بل ألقى بحجر في مياه النظام العالمي كله، محاولاً أن يضع روسيا في موقع اللاعب المسؤول الذي يملك مبادرة، بينما يدفع الآخرين نحو الدفاع".

