خاص| أسباب رغبة ترامب في استعادة قاعدة باغرام الأفغانية والسيناريوهات المحتملة
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في 18 سبتمبر الجاري، بدء مفاوضات جديدة لاستعادة قاعدة باغرام الجوية التي تسيطر عليها حركة طالبان في أفغانستان.
وكانت قد انسحبت القوات الأميركية بشكل فوضوي من تلك القاعدة، منذ 4 سنوات، في المقابل أكدت طالبان رفضها القاطع لمطالب ترامب، مشيرة إلى أن استعادتها يُعد بمثابة غزو جديد لأفغانستان.
لماذا يرغب ترامب في استعادة باغرام؟
أوضحت مدير مكتب الشرق الأوسط بواشنطن والمحللة السياسية بمعهد وودرو ولسون سابقا، هبة القدسي، في تصريح خاص لـ «مانشيت» أن هناك مزيجًا من الاعتبارات الاستراتيجية والرمزية لرغبة الرئيس ترامب إعادة السيطرة على قاعدة باغرام، التي كانت أكبر قاعدة عسكرية أميركية في أفغانستان ومركز القيادة الإقليمي.
الأسباب التي أشارت إليها «القدسي» تشمل: الأهمية العسكرية للقاعدة التي تحوي مدرجات طويلة وقوية قادرة على استقبال أي طائرة عسكرية، بالإضافة إلى مستشفيات ومستودعات وقدرة على استيعاب عشرات الآلاف من الجنود؛ ما يجعلها مركزًا للقيادة في آسيا الوسطى.
فضلًا عن احتوائها على منصة إطلاق تتيح الاستجابة السريعة للتهديدات عابرة الحدود، ودعم عمليات الاستخبارات في آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط.
وأيضًا، القرب من المرافق الصينية الحساسة؛ حيث تبعد أقل من 500 ميل عن حدود أفغانستان-شينجيانغ؛ ما يوفر نقطة مراقبة للمنشآت النووية والصاروخية الصينية، مثل موقع اختبار لوب نور، الذي يبعد حوالي ساعة طيران، وهو العامل الأبرز في تصريحات ترامب، الذي يراه مسافة ساعة من مكان صنع الصين أسلحتها النووية.
وتعتبرها أميركا قاعدة للاستخبارات والمراقبة، تسمح بالمراقبة الجوية المتقدمة واعتراض الإشارات، لتتبع النشاطات الروسية والصينية، بما في ذلك مشاريع «حزام واحد طريق واحد»، كما يعزز السيطرة عليها الوجود الأميركي في مناطق نفوذ موسكو وطهران، كرمز للمنافسة الإقليمية.
وتوفر أيضًا نفوذًا على ممرات اقتصادية رئيسية وموارد أفغانستان غير المستغلة، مثل: المعادن، التي تطمح إليها الصين وروسيا، وقربها من حدودهما وإيران؛ ما يمنح الولايات المتحدة أداة لمواجهة عدم الاستقرار تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
وأكدت الباحثة السياسية أن استعادة باغرام تعيد الثقة في السياسة الأميركية بعد الهزيمة في 2021، وتنبئ بانتهاء سياسة الانسحاب، وتحدد التوازن بين روسيا والصين والهند في آسيا الوسطى، وفقدانها يعني تنازلًا للمنافسين.
وأشارت إلى أن أسباب رغبة ترامب في الحصول على القاعدة يتخطى الجانب العسكري ليشمل الاقتصادي والسياسي، مع التركيز على الصين كخصم رئيس؛ حيث أشارت تقارير البنتاغون إلى نمو الترسانة النووية الصينية بنسبة 20% سنويًا.
سيناريوهات بين المفاوضات والتصعيد
وعند سؤالها عن السيناريوهات المحتملة، أجابت هبة القدسي، بأن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسة محتملة، وهي:
- سيناريو المفاوضات الدبلوماسية، فقد تؤدي الضغوط الاقتصادية على طالبان، التي تواجه أزمة مالية وانقسامات داخلية إلى صفقة إيجار محدود للقاعدة مقابل مساعدات أميركية أو إلغاء عقوبات على قادة طالبان.
وهذا يشمل إعادة فتح السفارة الأميركية في كابول وتعاون في مكافحة الإرهاب، مع الحفاظ على سيادة أفغانية شكلية، وهو السيناريو الأفضل لأنه سيؤدي إلى تعزيز الوجود الأميركي دون صراع مفتوح، لكن مع مخاطر من الصين التي قد تستخدم نفوذها لإغراء طالبان بعروض اقتصادية أفضل.
- سيناريو التصعيد العسكري المحدود إذا رفضت طالبان بشكل قاطع، فقد يلجأ ترامب إلى عملية عسكرية سريعة لاستعادة القاعدة، مستفيداً من النشاط غير الطبيعي المُلاحظ في المنطقة الشرقية منذ أواخر أغسطس 2025.
وهذا يشمل ضربات جوية أو قوات خاصة، ما يعيد الولايات المتحدة إلى دور الشرطي الإقليمي، ولكن هذا السيناريو سيثير احتجاجات دولية، مع تصعيد مع باكستان أو إيران، ورد صيني غير مباشر عبر دعم طالبان، مع مخاطر إقليمية أكبر.
- سيناريو الانسحاب أو التجاهل تحت ضغط الكونغرس أو الحلفاء مثل بريطانيا؛ فقد يتراجع ترامب عن الخطة، محولًا التركيز إلى قواعد بديلة في آسيا الوسطى مثل كازاخستان أو أوزبكستان.
وهذا يعكس انتقادات داخلية لإهدار الموارد، لكنه يضعف مصداقية ترامب ويفتح الباب أمام نفوذ صيني أكبر في أفغانستان.
إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في أوراسيا
واختتمت «القدسي» حديثها معبرة عن رأيها تجاه هذه المسألة؛ حيث ترى أن هناك مخاطر وفرص في لعبة الشطرنج الإقليمية، فرغبة ترامب في باغرام ليست مجرد استعادة ممتلكات، بل محاولة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في أوراسيا؛ حيث تتقاطع مصالح الصين وروسيا مع الطموحات الأميركية.
وأشارت إلى أن هذا الطموح يحمل مخاطر تصعيد قد يعيد أفغانستان إلى دائرة الصراع، خاصة مع رفض طالبان الواضح، وفي النهاية، أكدت أن هذه القضية قد تكون اختبارًا حقيقيًا لسياسة «أميركا أولًا» لعهد الرئيس ترامب.

