في ظل الحرب.. السودانيون يُضيئون الاحتفالات بالمولد النبوي ويبعثون رسالة أمل
بينما تشتد حدة الحرب في السودان وتتصاعد أصوات الرصاص في أطراف المدن، اختار العديد من السودانيين إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف في الساحات والزوايا. يبدو هذا الاحتفاء كرسالة واضحة بأن الحياة أقوى من الموت، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى في أحلك الظروف.
الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في السودان تقليد ضارب في القدم، ارتبط بالطرق الصوفية الكبرى مثل الختمية والقادرية والتيجانية والسمانية، ومع اقتراب الثاني عشر من ربيع الأول، تبدأ الفعاليات قبل أسبوعين لتبلغ ذروتها في الليلة الرسمية، حيث تمتلئ الساحات بالأذكار والمدائح، وتتزين الشوارع بالمصابيح الملونة والأعلام، وتنتشر الموائد العامرة بالحلوى.
في قلب هذه الأجواء، يظل "حصان المولد" و"عروس السكر" أبرز ما ينتظره الأطفال، بينما تحضر أصناف شعبية من الحلوى كالفولية والسمسمية، ويعلو صوت الطبول خلال الاحتفالات بذكرى المولد النبوي التي تجوب الأحياء بالمدائح النبوية والتهليل.
عودة الاحتفالات
رغم النزوح والمعارك المستمرة، شهدت مدن عديدة هذا العام عودة الاحتفالات بذكرى المولد النبوي، خاصة في ميدان الخليفة بأم درمان الذي يعد أشهر ساحات الاحتفال في البلاد، وعلى الرغم من أن الزخم كان أقل مما اعتاد عليه السودانيون، إلا أن مجرد إقامة الاحتفالات اعتبر بحد ذاته انتصارا وسط الدمار الهائل.
قال عمر عثمان، أحد الزوار: "الناس تمضي وتعود إلى الساحة، مشهد يبعث على الألفة والأمل، صحيح أن الزخم تراجع، لكن مجرد الاحتفال بذكرى المولد النبوي في هذه الظروف رسالة طمأنينة للجميع".
شهادات من قلب الساحات
وقالت أم سارة، وهي أم لثلاثة أطفال: "أردت أن أدخل السرور على أولادي، الحلوى والأنوار ذكرتهم بأن الحياة مستمرة، وأن الحرب لن تسرق فرحتهم".
أما الدكتور عبد المحمود أبو، الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، فيرى أن العودة للاحتفال أمر طبيعي، مؤكدا أن المسلمين في السودان ظلوا يحتفلون بذكرى المولد النبوي كل بطريقته، سواء في البيوت أو الزوايا أو الساحات العامة، وتوقف الاحتفال لعامين فقط بسبب الحرب، لكن مع انحسارها في بعض المناطق عادت الطقوس لتؤكد استمرار الحياة.
فيما أكد شيوخ الطرق الصوفية أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي في السودان يحمل خصوصية فريدة، حيث يجتمع فيه الطابع الروحاني مع البهجة الشعبية، وقال الشيخ الأمين: "السودانيون معروفون بمحبتهم لرسول الله، وهذه المحبة تظهر جلية في حلقات الذكر والسيرة النبوية حتى الأطفال يشاركون ببراءتهم، ليضفوا على الأجواء طعم خاص".
كما يرى باحثون أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي في قلب أحداث الحرب ليس مجرد التزام ديني، بل مقاومة رمزية، وعلق الباحث الاجتماعي الطيب محمد الحسن، قائلا: "الاحتفال بذكرى المولد النبوي فضاء اجتماعي واقتصادي يلتقي فيه الجميع من الباعة الصغار إلى شيوخ الطرق، إنه مساحة جامعة تختصر معنى الصمود الشعبي".
في أم درمان، امتزجت صيحات التهليل مع أصوات الدراويش والزغاريد، لتشكل لوحة متناقضة: "حرب في الخارج، وفرح في الداخل أحد الحضور عبر عن شعوره: "بدا لي أن مدينتنا تلملم جراحها وتمضي نحو التعافي، الاحتفال بذكرى المولد النبوي أعاد لنا الأمل".
ورغم قسوة الحرب وضيق الأحوال، يبقى الاحتفال بذكرى المولد النبوي بالنسبة للسودانيين "بارقة ضوء وسط العتمة"، ودليل على أن جذور الفرح والروحانية أعمق من أن تقتلعها أصوات البنادق.
