اشتباكات بدل الغرامات.. لماذا يتكرر العنف في شوارع العراق؟

شهادات من الميدان:
شهادات من الميدان: "مهددون يوميًا"

في مشهد بات مألوفًا في العراق، لا تمر أيام دون تداول مقاطع فيديو توثق اعتداءات على عناصر شرطة المرور، بعضها ينتهي بمشادات بالأيدي أو دهس متعمد، ما يسلط الضوء على أزمة متفاقمة في العلاقة بين المواطنين ورجال المرور.

آخر هذه الوقائع كان في محافظة البصرة، حيث ظهر شرطي مرور وهو يحاول إنزال سائق شاحنة (تريلة) بالقوة وسط زحام مروري، في مشهد أثار جدلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسمت الآراء بشأن سلوك الشرطي وردة فعل السائق.

بيانات رسمية وتحذيرات.. لكن العنف مستمر

ورغم تكرار البيانات الرسمية من وزارة الداخلية العراقية بعدم التهاون مع أي اعتداء على رجال المرور، فإن الاعتداءات لا تتوقف، خصوصًا في بغداد وبعض المحافظات الأخرى؛ ويظهر كثير من المقاطع رجال مرور يتعرضون للركل أو الدفع، أو يدخلون في مشادات عنيفة مع مواطنين يرفضون قرارات الحجز أو الغرامة.

ويرى مراقبون أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى غياب "قواعد اشتباك واضحة" أو أساليب ضبط ميدانية فعالة، ما يجعل رجل المرور عرضة لمواقف متفجرة دون دعم حقيقي على الأرض.

شهادات من الميدان: "مهددون يوميًا"

يؤكد المفوض في شرطة مرور بغداد، حسام الجنابي، أن "ضعف أنظمة الجباية وغياب الكاميرات والآليات الإلكترونية يضع رجل المرور في مواجهة مباشرة مع السائقين"، مشيرًا إلى أن بعضهم "غاضبون أو مسلحون"، ما يجعل رجال المرور يواجهون خطرًا يوميًا دون غطاء قانوني كافٍ.

وتفاقم الوضع بعد قرار وزير الداخلية بالسماح لعناصر المرور بحمل السلاح والدفاع عن أنفسهم، حيث اعتبر البعض أن هذا التوجه قد يؤدي إلى عسكرة الشارع المدني ويفتح الباب لمواجهات مسلحة.

الأسباب العميقة.. غياب التوازن والتدريب

من جانبه، يقول الضابط المتقاعد العميد عادل سلمان إن "التصعيد المستمر في شوارع العراق ضد رجال المرور سببه غياب التوازن بين سلطة القانون وثقافة الشارع"، مشيرًا إلى أن عناصر المرور الجدد لم يتلقوا تدريبات متخصصة في إدارة النزاعات أو ضبط النفس، ما يجعلهم عرضة للاستفزاز والانفعال.

وتظهر مشاهد متعددة من الأشهر الماضية قيام عناصر المرور باستخدام العصي للدفاع عن أنفسهم، أو تعرضهم للضرب، خاصة في مناطق حساسة تضم دوائر حكومية أو مقار حزبية، حيث تكون المواجهات أكثر خطورة.

دور المركبات الحكومية والفصائل المسلحة

مصادر أمنية أشارت إلى أن نسبة كبيرة من الاعتداءات تأتي من سائقي سيارات الدفع الرباعي المرتبطة بمواكب مسؤولين أو فصائل مسلحة، والذين لا يعترفون أحيانًا بصلاحيات شرطة المرور المدنية، مما يضع العناصر في مواقف حرجة تنتهي غالبًا بتراجعهم لتفادي التصعيد.

حلول مقترحة.. بين الرقمنة والتدريب

يرى مختصون أن تقليص التماس البشري في عملية تحرير الغرامات، عبر نظام إلكتروني شامل، قد يُسهم في الحد من حدة الاحتكاك والمواجهة.


كما يطالب آخرون بضرورة إعادة هيكلة شرطة المرور وإنشاء وحدات ميدانية مدربة نفسيًا وقانونيًا على التعامل مع السلوك العدائي، على غرار تجارب ناجحة في بعض الدول.

 

ويؤكد الخبراء أن أكثر من 70% من الغرامات في العراق تدفع نقدًا، ما يفتح الباب أمام المساومات والتجاوزات، ويفرض الحاجة إلى ربط ذكي بين الكاميرات ومراكز التحكم لتقليل تدخل العنصر البشري في القرارات الميدانية.

ظاهرة الاعتداءات المتكررة على رجال المرور في العراق تكشف عن خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمواطن، وضعف في البنية التنظيمية والإدارية لمؤسسة المرور.


ولن تحل المشكلة عبر تشديد العقوبات فقط، بل تحتاج إلى إصلاحات شاملة تشمل التدريب، والتكنولوجيا، وتعزيز هيبة القانون دون عسكرة الشارع أو الانجرار إلى دوامات العنف.