تأثير التعبئة العسكرية على الداخل الروسي.. تحولات اجتماعية واقتصادية تتجاوز ساحة القتال (خاص)
زاد معدل التساؤلات حول حجم التأثير الاجتماعي والاقتصادي للحرب على الداخل الروسي، في ضوء الشهادات المنسوبة إلى سكان مناطق روسية بشأن انخراط الرجال في «العملية العسكرية الخاصة»، وما إذا كانت تداعيات التعبئة العسكرية بدأت تنعكس فعليًا على البنية المجتمعية والخدمات الأساسية، لا سيما في المناطق البعيدة عن موسكو.
وقال الدكتور ديميتري بريجه، الباحث السياسي ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسي، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن المزاج المجتمعي في روسيا شهد تحولات ملحوظة منذ إعلان التعبئة الجزئية، موضحًا أن المواقف لم تكن موحدة بين مختلف الأقاليم والمدن الكبرى.

تباين المواقف بين المركز والأطراف
أوضح بريجه أن جزءًا من المجتمع في مدن كبرى مثل سان بطرسبورغ وموسكو أبدى في البداية مواقف متباينة، بل ورافضة لفكرة التعبئة الجزئية، مشيرًا إلى أن هذا الرفض ظهر أيضًا في بعض الجمهوريات والمناطق ذات الطابع القومي الخاص، ولفت إلى أن إرسال الشباب إلى الجبهات لم يكن مقبولًا اجتماعيًا في المراحل الأولى، خاصة في ظل غموض أفق الحرب، وأضاف أن هذا الرفض لم يقتصر على المدن المركزية، بل امتد إلى بعض الجمهوريات في آسيا الوسطى التي تربطها علاقات سياسية وأمنية مع موسكو، مثل كازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان، مؤكدًا أن هذه الدول تتابع بدقة تداعيات الحرب على الاستقرار الإقليمي.
وأشار بريجه إلى أن المزاج العام تغير تدريجيًا، حيث شددت الدولة خطابها الرسمي، وأعادت ربط الحرب بمفاهيم تتعلق بالأمن القومي والدفاع عن المصالح الاستراتيجية، وبيّن أن استخدام مصطلح العملية العسكرية الخاصة لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل جزءًا من إعادة صياغة الرواية الرسمية للحرب، بما يعزز من حالة التعبئة المعنوية داخل المجتمع، وأكد أن الحكومة اتجهت نحو مزيد من الحزم، وهو ما انعكس في تضييق مساحة الجدل العام، وساهم في تراجع مظاهر الرفض العلني، مقابل بروز خطاب أكثر تأييدًا أو أقل اعتراضًا.
انعكاسات اقتصادية وخدمية في المناطق الطرفية
ونوه بريجه إلى أن التأثيرات الاجتماعية لا تنفصل عن الأبعاد الاقتصادية، مشيرًا إلى أن سحب أعداد من الرجال في سن العمل من بعض المناطق التي تقع على أطراف المدن المركزية، ألقى بظلاله على قطاعات الإنتاج والخدمات المحلية، وأوضح أن بعض المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية وجدت نفسها أمام ضغوط إضافية، سواء على مستوى سوق العمل أو الخدمات الأساسية، وأضاف أن الفجوة بين المركز والأطراف قد تتسع في ظل استمرار العمليات العسكرية، حيث تتمتع المدن الكبرى بقدرة أعلى على امتصاص الصدمات مقارنة بالمناطق الريفية أو الحدودية.
كما أشار بريجه إلى أن التحولات الحالية لا يمكن فصلها عن المسار السياسي، الذي بدأ منذ عام 2014، معتبرًا أن المشهد الداخلي الروسي شهد آنذاك إعادة تموضع للقوى السياسية، سواء في التيار الليبرالي أو المحافظ، وأكد أن تلك المرحلة شكلت نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا بعد تصاعد التوترات مع الغرب، وأوضح أن النخبة الحاكمة أعادت هيكلة أولوياتها، وانتقلت من منطق اقتصادي منفتح نسبيًا إلى نموذج أكثر مركزية وتركيزًا على الأمن والاستقرار الداخلي، ما انعكس بدوره على طريقة إدارة الحرب والتعبئة.
وأكد بريجه أن التأثير الحقيقي للتعبئة العسكرية لا يقاس فقط بعدد المشاركين في العمليات بل يمتد ليشمل مدى انعكاسها على البنية المجتمعية، وأن استمرار الحرب لفترة أطول قد يعمق التحولات الجارية داخل المجتمع الروسي، وقال إن روسيا تدخل مرحلة جديدة تتسم بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في ظل أولوية الاعتبارات الأمنية على غيرها من الملفات، وشدد على أن هذه التحولات قد تترك آثارًا بعيدة المدى، حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، سواء على مستوى الاقتصاد المحلي أو التماسك الاجتماعي في المناطق المختلفة.
