بين الواقعية الدفاعية والمناورة السياسية.. محلل سياسي يكشف معوقات الاستقلال الأمني الأوروبي (خاص)

رئيسة وزراء الدنمارك
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن

أعادت دعوة رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، إلى بناء قدرات عسكرية أوروبية كبرى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت أوروبا تتجه نحو استقلال أمني فعلي عن المظلة الأميركية، أم أن الأمر لا يتجاوز حدود الخطاب السياسي.

وأكدت رئيسة وزراء الدنمارك، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، ضرورة إحداث تحول جذري في الاستراتيجيات الدفاعية الأوروبية، داعيةً إلى الانتقال من "القدرات الدفاعية المحدودة" إلى قدرات عسكرية أكبر بكثير خلال سنوات قليلة، معتبرةً أن هذا التوجه بات ضرورةً مُلِحّةً تفرضها السلوكيات الروسية الراهنة.

 

الدكتور محمود الافندي
الدكتور محمود الافندي


وفي هذا السياق، قال الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي المختص في الشؤون الروسية، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، إن ما يطرح اليوم في بعض العواصم الأوروبية لا يعكس تحولًا حقيقيًا في العقيدة الدفاعية، بقدر ما يعبر عن طموحات سياسية تصطدم بواقع ميداني واقتصادي معقد.

خطاب سياسي أم قدرة واقعية؟

وأوضح الأفندي أن أوروبا، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، باتت تعتمد بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة في مظلتها الأمنية عبر حلف شمال الأطلسي، لافتًا إلى أن أي حديث عن استقلال عسكري أوروبي يتطلب بنية تحتية صناعية وعسكرية غير متوفرة حاليًا.

وأشار إلى أن بناء منظومة دفاعية مستقلة يحتاج إلى سنوات طويلة وربما عقود من الاستثمار في الصناعات العسكرية والتقنيات المتقدمة، إضافة إلى إعداد كوادر بشرية مؤهلة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعانيها عدة دول أوروبية، وأكد أن التصريحات المتعلقة بإنشاء قوة دفاعية أوروبية كبرى لا تستند حتى الآن إلى خطط تنفيذية واضحة، بل تبقى في إطار الطموحات النظرية.

ولفت الأفندي إلى أن أوروبا ليست كتلة واحدة متجانسة، موضحًا أن هناك تباينات واضحة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة العلاقة مع روسيا فبعض الدول ترفض التصعيد العسكري وتتحفظ على سباق تسلح جديد، بينما تدفع دول أخرى باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة ما تصفه بالتهديد الروسي، وبيّن أن هذا الانقسام يعكس صعوبة التوصل إلى رؤية دفاعية موحدة، وهو ما يضعف فرص إنشاء منظومة أمنية أوروبية مستقلة في المدى المنظور.

معضلة المظلة الأميركية

وأكد الأفندي أن الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة لا يزال قائمًا، سواء من حيث القدرات العسكرية أو الردع الاستراتيجي، مشيرًا إلى أن أي انسحاب أميركي مفاجئ سيترك فراغًا أمنيًا كبيرًا لا تستطيع أوروبا سده في المدى القريب، ونوه إلى أن بناء قدرات دفاعية مستقلة يتطلب موارد مالية ضخمة، وتوافقًا سياسيًا واسعًا ووقتًا طويلًا، ما يجعل الحديث عن استقلال أمني كامل في الوقت الراهن أمرًا غير واقعي.

وأكد أن الدعوات الأوروبية لتعزيز القدرات العسكرية تعكس شعورًا متزايدًا بالقلق من التحولات الدولية، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى مستوى التحول الاستراتيجي الكامل، وقال إن أوروبا، رغم خلافاتها أحيانًا مع واشنطن، لا تزال بحاجة إلى الشراكة مع الولايات المتحدة في إطار التحالفات القائمة، وأن أي تغيير جذري في العقيدة الدفاعية الأوروبية سيبقى مرهونًا بمتغيرات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.