تحويلات التونسيين بالخارج تعاني من عراقيل ومصاريف بنكية مرتفعة
على الرغم من التحسن اللافت الذي سجلته تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت المصدر الأول للعملة الصعبة متجاوزة عائدات السياحة، فإنها لا تزال تصطدم بعدة عراقيل، أبرزها العمولات البنكية المرتفعة وصعوبة الإجراءات.
وبحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي التونسي، بلغت قيمة تحويلات الجالية التونسية إلى حدود 20 يوليو/تموز 2025 نحو 4.6 مليارات دينار تونسي (ما يعادل 1.8 مليار دولار)، مسجلة زيادة بنسبة 8.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
عوائق التحويل ومحدودية الاستفادة
ورغم هذا الارتفاع، يشير مراقبون اقتصاديون إلى أن حوالي 60% من التحويلات لا تمر عبر القنوات الرسمية، مما يعني أن تونس تستفيد فعليًا فقط من 40% من إجمالي أموال التونسيين في الخارج، وهو ما يشكل خسارة كبيرة على مستوى احتياطي النقد الأجنبي.
ويقدَّر عدد التونسيين المقيمين بالخارج بأكثر من 1.7 مليون شخص موزعين على نحو 90 دولة، مع تزايد مستمر في السنوات الأخيرة، خاصة في صفوف الكفاءات الشابة المهاجرة نحو كندا وأوروبا.
رسوم مرتفعة وخدمات متأخرة
يرى كثير من التونسيين المقيمين بالخارج أن البنوك التونسية تفرض رسومًا باهظة على التحويلات، ما يدفعهم إلى اللجوء لطرق غير رسمية مثل وسطاء أو أفراد.
في هذا السياق، قال جمال شقير، الأستاذ الجامعي المقيم في المملكة العربية السعودية، إن العمولات التي تفرضها البنوك التونسية "مرهقة"، وتتجاوز بكثير الرسوم التي تفرضها البنوك الأجنبية، وأضاف أن التأخير في إنجاز التحويلات يدفع العديد من التونسيين إلى تجنب القنوات الرسمية.
وأكد شقير أن التحويلات من السعودية إلى دول بعيدة مثل كندا تصل فورًا، في حين تتأخر بشكل ملحوظ في تونس، مما يعكس خللًا في النظام البنكي المحلي الذي يعتمد على الرسوم كدخل أساسي بدل تقديم خدمات فعالة ومحفزة.
غياب رقابة فعالة
مراد الغطاس، مستثمر صناعي مقيم بفرنسا منذ أربعة عقود، اعتبر أن المشكلة الرئيسية تتمثل في غياب الرقابة على البنوك التونسية، التي تفرض عمولات دون سقف رقابي، مشيرًا إلى أن العديد من التونسيين بالخارج أصبحوا يفضلون التحويل بطرق موازية للتهرب من الرسوم المرتفعة.
كما قارن الغطاس بين الخدمات البنكية في الخارج وتونس، معتبرًا أن البنوك التونسية تتصرف "بلا محاسبة"، ما يضعف من الثقة في الجهاز المصرفي ويؤدي إلى هروب الأموال خارج الإطار الرسمي.
وفي تصريح سابق لمحافظ البنك المركزي التونسي فتحي النوري، تم الكشف عن أن متوسط تحويلات المواطن التونسي المقيم بالخارج لا تتجاوز 120 دولارًا شهريًا، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 200 دولار، مما يعكس ضعف الجاذبية البنكية والتحفيز.
تأثير اقتصادي مباشر
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن ضعف استفادة الاقتصاد التونسي من هذه الموارد يعود إلى الإجراءات البيروقراطية وارتفاع كلفة التحويلات، وأوضح أن هذه العوامل تقلص من فاعلية القنوات الرسمية وتقلل من تدفق السيولة الأجنبية.
وحذّر الشكندالي من أن استمرار هذا الوضع لا يؤثر فقط على مداخيل الدولة من العملة الصعبة، بل ينعكس أيضًا على قدرة آلاف العائلات على تلبية احتياجاتها اليومية، ويقلل من ديناميكية القطاع المصرفي في دعم النمو الاقتصادي.
ومع تصاعد الانتقادات، تتزايد الدعوات لإصلاح المنظومة البنكية وتشجيع التونسيين بالخارج على استخدام القنوات الرسمية عبر خفض الرسوم، وتطوير الخدمات المصرفية، وتفعيل الرقابة على البنوك لضمان الشفافية وحماية مصالح المواطنين.
ففي ظل الأزمة المالية التي تعيشها تونس، تبرز تحويلات الجالية كأحد الحلول المتاحة لتعزيز رصيد العملة الأجنبية ودعم استقرار الاقتصاد، شريطة تهيئة المناخ المناسب لاستقطابها عبر الطرق الرسمية.
