تناقضات نتنياهو بين خطاب السلام ومخططات التصعيد.. مناورة سياسية أم مأزق استراتيجي؟

بنيامين نتنياهو
بنيامين نتنياهو

رغم إصرار بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على الترويج لخطاب علني يتحدث فيه عن السلام والحلول الدبلوماسية، تكشف تسريبات إعلامية واردة من تل أبيب، عن تحركات موازية تهدف إلى إفشال أي اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين، وإيقاف الحرب.
هذا التباين بين ما يعلنه نتنياهو وما يمارسه فعليًا، يضعنا أمام سؤال مهم: هل ما يجري مناورة سياسية تستهدف كسب الوقت، وامتصاص الضغوط الداخلية والخارجية، أم أن حكومة نتنياهو دخلت بالفعل في مأزق استراتيجي يصعب معه الموازنة بين طموحاتها الأمنية، وضرورات الاستقرار الإقليمي؟

خفايا الموقف الداخلي في إسرائيل

المحللون يشيرون إلى ثلاث طبقات مؤثرة في صناعة القرار بإسرائيل، الأولى داخلية بحتة وتتصل بتركيبة الحكومة وحسابات القاعدة السياسية والجيش والضغوط الشعبية الناتجة عن ملف الرهائن، والثانية تكتيكية تمس الجدوى العسكرية والتكلفة السياسية لأي عملية عسكرية واسعة، مقابل بدائل تفاوضية، أما الثالثة فإقليمية ودولية، حيث توازن بين مواقف الفاعلين الإقليميين والداعمين الدوليين، والوسطاء، والحلفاء، بالإضافة إلى ضغوط اقتصادية ودبلوماسية.
الطبقة الأولى، الداخلية، تمثل حجر الزاوية فنتنياهو يعتمد على ائتلاف هش يضم قوى يمينية متشددة تضغط باتجاه استمرار العمليات العسكرية ورفض أي تنازل قد يُفهم كضعف. 

وفي الوقت ذاته، يواجه ضغوطًا هائلة من عائلات الرهائن ومن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، ترى في إطالة أمد الحرب فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا. 

هذا التناقض الداخلي يضع نتنياهو في مأزق مزدوج بين الحفاظ على تماسك ائتلافه من جهة، واحتواء غضب الشارع من جهة أخرى.
أما الطبقة الثانية، التكتيكية العسكرية والسياسية، فتتعلق بموازنة الكلفة والجدوى. فإسرائيل تدرك أن استمرار الحرب يستنزف مواردها الاقتصادية ويعرّض جيشها لتآكل المعنويات، فيما قد يؤدي التفاوض إلى تنازلات تراها بعض النخب الأمنية مخاطرة بالأمن القومي.

سر الخطاب المزدوج

 هذا الحساب المعقد يدفع نتنياهو إلى تبني خطاب مزدوج، يظهر فيه كمن يسعى للسلام، بينما يترك الباب مفتوحًا أمام تصعيد عسكري يضمن له مكاسب سياسية داخلية.
الطبقة الثالثة، الإقليمية والدولية، تضيف مزيدًا من التعقيد، فالمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يضغط من أجل حلول تفاوضية تخفف من معاناة المدنيين، وتحافظ على استقرار المنطقة. 
وفي المقابل، تحذر قوى إقليمية كبرى من أن استمرار العدوان قد يؤدي إلى انفجار أوسع يهدد مصالح الجميع، كما أن الاقتصاد الإسرائيلي يتأثر سلبًا بتراجع الثقة الدولية، وهو ما يضع حكومة نتنياهو أمام ضغوط متزايدة للحد من التصعيد.