أحداث السويداء.. هل تعيد الأزمة إحياء الصراعات الطائفية في سوريا؟
كشف تقرير أممي صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن أحداث السويداء، ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، أن المئات قد تعرضوا للاختطاف إلى جانب تدمير العديد من القرى، كما كشف عن العديد من الانتهاكات التي طالت النساء.
صدر تقرير مفوضيّة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان في أعقاب الأحداث العنيفة التي شهدتها محافظة السويداء في يوليو الماضي، التي تشكل أبشع موجة عنف دامية شهدتها سوريا، حيث وقعت بين مجموعات طائفية وقبلية ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص، وتدمير عدد من القرى واختطاف المئات، قبل تدخل القوات الحكومية.
وتسببت أحداث السويداء، خلال يوليو الماضي، في فتح ملف حماية الأقليات في سوريا، وأثارت العديد من التساؤلات حول دور الدولة وأطراف النزاع، إضافة إلى تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
أحداث السويداء تشكل جرائم خطيرة
كشف التقرير أن ما شهدته السويداء يتجاوز كونه اشتباكًا محليًا عابرًا، بل يمثل أزمة إنسانية مركبة، لا سيما في ظل المعلومات التي تفيد بمقتل أكثر من ألف شخص وتدمير أكثر من ثلاثين قرية، وهو ما يكشف عن فداحة المأساة، إضافة إلى تعرض الفتيات والنساء للعديد من الانتهاكات، التي تدخل ضمن تصنيفات الجرائم الخطيرة وهو ما يستلزم تحركًا دوليًا واسعًا وسريعًا .
إلى جانب حملات الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي المتبادلة بين أنصار الأطراف المتناحرة وهو ما يعكس وجود محاولة منهجية لإضعاف الهوية الاجتماعية والثقافية المتنوعة في سوريا، مما يطرح التساؤلات حول وجود خطط لتفكيك المكوّنات المجتمعية وخلق مجتمع جديد على أسس طائفية متفسخة عبر بوابة الاضطهاد للدروز في السويداء والعلويين في الساحل الشرقي.
غياب العقاب وارتباك الموقف الرسمي يُذكيان الصراع
وفي خضم هذا الاقتتال فقد بدا الموقف الرسمي غير متجانس مع الموقف الشعبي بعض الشيء مما ساهم في انخفاض الثقة لدى المجتمع المحلي.
وبحسب تقارير أممية، فإن السلطات السورية لم تنجح في حماية الأقليات والتصدي للعنف القائم ضد النساء، وهو ما يكشف حدود قدرتها في التعامل مع الأزمة بجدية.
هذا التداخل بين الانقسامات المحلية خلق بيئة مثالية لتصاعد العنف، لا سيما في ظل غياب آليات المحاسبة الواضحة مما يعزز مناخ الانفلات الأمني والمجتمعي، ويرفع احتمالية تكرار هذه الانتهاكات إلى مستويات عالية.
تداعيات أحداث السويداء على الصعيدين المحلي والإقليمي
أزمة السويداء لا تقف عند حدود المحافظة بل تمتد لتشمل الدولة السورية، ودول الجوار، فعلى الصعيد المحلي تمنح تلك الأزمة لإسرائيل فرصة ذهبية لتعميق وجودها في سوريا بدافع حماية الأقلية الدرزية التي أكدت مراراً على عدم استعداد تل أبيب لتخليها عنها للحد الذي شهد العالم معه خطة إسرائيلية مكتملة لإجلاء الدروز من سوريا والاستفادة بهم كعمالة أجنبية في إسرائيل وهو المشروع الذي توقف في اللحظة الأخيرة دون الوقوف على الأسباب الحقيقية لتعطيله.
وعلى الصعيد الإقليمي فلا يمكن إغفال الوجود الكبير والمؤثر للطائفة الدرزية في لبنان والأردن، ما يعني أن أي تهديدات وجودية لها في سوريا قد تنعكس بشكل مباشر على وضعها في دول الجوار، وهو ما يثير المخاوف من خلق أزمة عابرة للحدود.
كما أن تجدد العنف الطائفي الذي يشكل إعادة إنتاج مشاهد الانقسام التي شهدتها سوريا في بدايات الحرب الأهلية، فقد تكون سوريا على موعد مع دورة جديدة من التفكك الاجتماعي.
أما على الصعيد الدولي، فإن تحذيرات الأمم المتحدة وضغوط المنظمات الحقوقية تشكل خطوات إيجابية لتسليط الضوء على هذه القضية، لكن تظل مع ذلك فعالية هذه الجهود محدودة إن لم تقترن بإرادة سياسية وتنسيق حقيقي بين كافة القوى الكبرى لتحقيق العدالة الدولية والإنسانية عن طريق المحاسبة الحقيقية للمتسببين في تلك الأزمة، الأمر الذي سيترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من الانتهاكات ما لم تتم معالجته، كما أنه يضر بالمصلحة العامة لسوريا، لا سيما وأن دول أوروبا تربط استمرار تقديم مساعداتها لسوريا بحماية الآقليات، وهو ما يثقل الأعباء على كاهل الإدارة السورية ويحملها على وضع حد لمثل تلك الانتهاكات.

