خطة بايرو التقشفية "المؤلمة" تشعل الشارع الفرنسي.. العدالة الاجتماعية في مأزق
تشهد الساحة السياسية الفرنسية حالة من التوتر المتصاعد، إثر إعلان رئيس الوزراء، فرانسوا بايرو، عن الخطة المالية التقشفية، التي تستهدف خفض العجز العام، عن طريق تقليص الإنفاق الحكومي، وتجميد المخصصات الاجتماعية، في مقابل زيادة موازنة الدفاع.
الخطة التي وصفت بأنها "مؤلمة" أشعلت الشارع الفرنسي باحتجاجات شعبية واسعة، وأعادت إلى الواجهة الجدل القديم حول أولوية الانضباط المالي، على حساب العدالة الاجتماعية، وهو ما يضع هذا الملف الأخير في مأزق.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عن خطته التقشفين التي تهدف إلى خفض العجز العام من 5.4% إلى 4.6%، من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2026.
وتتضمن الخطة إجراءات صارمة أبرزها خفض النفقات الحكومية إلى 43.8 مليار يورو، بدلًا من 40 مليار يورو، كما كان مقررًا، وتثبيت المعاشات والمخصصات الاجتماعية، من دون ربطها بالتضخم.
كما تشمل الإجراءات المقترحة إلغاء بعض العطلات الرسمية، كيوم النصر، لزيادة ساعات العمل، وفرض رسوم تضامن على الأثرياء للإسهام في خفض العجز، لكن اللافت أن الخطة تتضمن في الوقت نفسه زيادة مخصصات وزارة الدفاع، بنحو 3.5 مليار يورو، بحجة تدهور الوضع الأمني العالمي، وهو ما أثار مزيدًا من الجدل حول أولويات الحكومة.
معارضة شرسة يقودها اليسار
حزب "فرنسا الأبية" بزعامة مانويل بومبا، كان في طليعة الرافضين، إذ أعلن عزمه التقدم بمذكرة لحجب الثقة عن الحكومة، فور بدء الدورة البرلمانية المقبلة.
ويرى الحزب أن خطة بايرو ستؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للفرنسيين، وزيادة الضغط على الطبقات الوسطى والفقيرة، معتبرًا أن الحكومة تكرّس اختلالًا اجتماعيًا خطيرًا.
ويعزز المعارضة الشعبية استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "أبسوس"، أظهر أن نحو 59% من الفرنسيين يرغبون في استبدال رئيس الوزراء الحالي، ما يعكس تراجع الثقة الشعبية في حكومته، ويفتح الباب أمام تحركات احتجاجية واسعة ضد التقشف.
تداعيات سياسية واقتصادية
رغم أن احتمال سقوط حكومة فرانسوا بايرو عبر مذكرة حجب الثقة يظل ضعيفًا في ظل التركيبة البرلمانية المفتتة وصعوبة توحيد اليسار واليمين المتطرف، إلا أن مجرد طرح الفكرة يكشف هشاشة موقفه السياسي.
كما أن امتناع الكتل الوسطية عن المغامرة، بإسقاط الحكومة في ظرف اقتصادي وأمني حساس، لا يلغي وجود ثغرات كبيرة في الخطة.
اقتصاديًا، تعكس الخطة استجابة حكومية لضغوط داخلية وخارجية من أجل ضبط الميزانية، غير أن تقليص الإنفاق الاجتماعي مقابل زيادة مخصصات الدفاع قد يُعتبر اختلالًا واضحًا في ترتيب الأولويات.
أما اجتماعيًا، فإن تجميد المخصصات ومعاشات المتقاعدين وسط ارتفاع التضخم يهدد باحتقان شعبي متصاعد، يعيد إلى الأذهان احتجاجات قانون التقاعد قبل عامين.
كما أن مقترح إلغاء عطلة "8 مايو"، ينظر إليه على نطاق واسع بوصفه اعتداءً على الذاكرة الوطنية للشعب الفرنسي ومساسًا بكرامته التاريخية.
وبينما تراهن الحكومة على الانضباط المالي كسبيل لتقليل آثار التضخم وتخفيف صدماته على الاقتصاد، يسعى الشارع الفرنسي ومعه المعارضة إلى ترسيخ واقع يمنح الأولوية للعدالة الاجتماعية، ما ينذر بمواجهة جديدة قد تهز استقرار المشهد السياسي الفرنسي في الأشهر المقبلة.
