«رواية بروسيغ» تعيد برلين الشرقية إلى الواجهة من جديد
ظهرت رواية «الطرف الأخير من شارع الشمس» للكاتب الألماني توماس بروسيغ بعد مرور عشر سنوات على سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، وهي رواية صغيرة في حجم المكان لكنها كبيرة في معانيها، حيث تدور أحداثها في جزء قصير لا يتعدى ستين متر من شارع طويل في برلين اسمه "شارع الشمس".
هذا الشارع كان قبل الحرب يمتد لأكثر من أربعة كيلومترات، لكن بعد تقسيم برلين سنة 1945، أصبح معظمه في الغرب، بينما بقي الطرف الأخير منه في الشرق خلف الستار الحديدي، وبحسب الرواية، فإن ستالين أصر خلال مؤتمر بوتسدام على أن يحصل على الشارع كله، لأنه أعجب بالاسم الشاعري "شارع الشمس"، غير أن تشرشل وترومان رفضا طلبه، وانتهى الأمر بتسوية غريبة: ستالين أخذ ستين متر فقط، وهي التي صارت في وقت لاحق فضاء الرواية.
بطل القصة هو الفتى مايكل كوبيتش أو "ميتشا"، الذي يعيش مع أسرته في تلك المنطقة الضيقة، ويطل بشكل يومي على الجدار و"قطاع الموت" المرعب، لكن المفارقة أن بروسيغ لم يكتب روايته بجدية قاتمة كما فعل الكثير من كتاب أوروبا الشرقية، بل لجأ إلى أسلوب ساخر، عفوي، مليء بالضحك والدموع في آن واحد، وكأن الرواية تقول إن الناس، حتى في أصعب الظروف، يتمسكون بالأحلام الصغيرة والحياة اليومية.
الرواية نشرت أول مرة عام 1999 بالألمانية، لكنها لم تخرج من حدود القراء الألمان إلا حين اكتشفها الروائي الأميركي جوناثان فرانزن، الذي تأثر بها بشدة أثناء عمله على روايته "طهارة"، وحين وجد أنها غير مترجمة، قرر أن يساهم بنفسه في ترجمتها إلى الإنجليزية مع المترجمة جيني واتسون، لتصدر عام 2023.
فرانزن وصفها بأنها "معجزة أدبية"، لأنها لم تقع في فخ الغضب أو الندم، بل قدمت صورة مختلفة عن ألمانيا الشرقية، صورة مليئة بالمرح، بالمراهقين وأحلامهم، بالموسيقى المهربة من الغرب، وبحب عابر للحدود.
النص يذكر كثير رواية "بناية ماتيلد" للكاتب اللبناني حسن داوود، التي كتبها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، فكلا الروايتين تدور أحداثهما في مساحة صغيرة: بناية في بيروت، أو ستين متر من شارع في برلين، لكنهما ينجحان في تصوير حياة كاملة داخل هذا الحيز الضيق، حياة مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح البشر القدرة على الصمود.
بروسيغ كما داوود، لم يكتبا عن الحرب مباشرة، بل عن الناس العاديين وهم يحاولون النجاة وسط الخراب، عن شقق ضيقة أو بيوت قديمة، عن شباب يحلمون بالحب والموسيقى، وعن ذاكرة مكان ظل عالق حتى بعد زواله، ولهذا جاءت الروايتان كأنهما شهادة على قدرة الأدب أن يحفظ لحظات إنسانية صغيرة، وسط التاريخ الكبير القاسي.
