العلاقات الأميركية البرازيلية تدخل في مرحلة جديدة من التصعيد

البرازيل والولايات
البرازيل والولايات المتحدة

تصاعدت الأزمة بين البرازيل والولايات المتحدة إلى مستوى جديد، حيث أعلنت واشنطن عن إلغاء تأشيرات دخول عدد من المسؤولين البرازيلين على إثر إتهامهم بدعم برنامج كوبا للبعثات الطبية الدولية، الذي تصنفه واشنطن في إطار "العمل القسري".


جذور الأزمة

لم تأت تلك الخلافات بشكل عابر بل أصبحت متجذرة بعمق في صُلب العلاقات الأميركية- البرازيلية خلال الفترة الأخيرة، خاصةً مع عودة اليسار مع تولي الرئيس البرازيلي “ لولا دا سيلفا” الحكم حيث إتخذت البرازيل نهجًا مختلفًا عما كانت عليه خلال حقبة “ جايير بولسارناو” الذي إتسم بنهجه المتقارب مع الولايات المتحدة.


وإلى جانب هذا التباين الأيديولوجي الكبير، تضاف إلى المشهد التوترات السياسية والتجارية فعلى الصعيد السياسي إعتبر الرئيس الأميركي “ دونالد ترامب” أن البرازيل تُمثل تهديدًا “غير عاديًا”  للأمن القومي الأميركي وذلك على خلفية رفض محكمة “ برازيليا” مطلبه بوقف محاكمة الرئيس السابق “ جايير بولسارناو” والذي يواجه إتهامات ب التورط في خطة لاغتيال الرئيس “لولا دا سيلفا”، وتدبير هجوم واسع النطاق على مؤسسات الدولة في برازيليا.


وعلى الصعيد التجاري التي نتجت عن فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية على السلع البرازيلية بلغت نسبتها نحو 50% .

وهو ما أعتبره الرئيس البرازيلي “ابتزاز غير مقبول”  وتقدم على إثر ذلك بشكوى إلى منظمة التجارة العالمية، كما أجرى إتصالات مع رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” وكذلك الرئيس الروسي “ فلاديمير بوتين” لحشد دعم دول مجموعة البريكس التي تعد البرازيل أحد أبرز الدول الأعضاء بها.

وهو ما يفسر قرار واشنطن بسحب تأشيرات المسؤولين البرازيليين، الذي  لم يكن مجرد رد فعل على دعم “برنامج كوبا” فقط، بل هو رسالة واضحة بأن الخلافات بين البلدين عميقة ومتعددة الأوجه.

 

 ما هو برنامج البعثات الطبية الكوبية؟
 

هو برنامج حكومي كوبي بدأ في ستينيات القرن الماضي كجزء من "الدبلوماسية الإنسانية" لكوبا.
يهدف إلى إرسال بعثات من الأطباء والعاملين في المجال الصحي إلى دول أخرى حول العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، بغرض تقديم الرعاية الصحية، وذلك بهدف  تلبية احتياجات الرعاية الصحية في المناطق الفقيرة والنائية التي تعاني من نقص الأطباء، بالإضافة إلى المساعدة في حالات الكوارث والأزمات الإنسانية.

 


لماذا تدعمه البرازيل ؟

ترى حكومة لولا دا سيلفا الحالية أن البرنامج يخدم مصالحها لعدة أسباب:

تلبية الاحتياجات الصحية: حيث يسهم البرنامج ملأ الفراغ الطبي في المناطق الريفية والفقيرة في البرازيل، حيث يرفض الأطباء البرازيليون العمل في تلك المناطق نظرا لصعوبة الظروف بها.

وتعتبره حكومة لولا نموذجًا للتعاون بين دول الجنوب،و يعكس دعم مثل هذه البرامج عودة التقارب الأيديولوجي بين البرازيل التي عادت لتبني سياسة خارجية أكثر يسارية، مع كوبا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية.


لماذا تعارضه الولايات المتحدة؟

 


ويأتي إحتجاج الولايات المتحدة الأميركية على الطريقة التي يدار البرنامج، وليس على مبدأ ضد المساعدة الطبية في حد ذاتها، حيث تعتبره "عملاً قسرياً" حيث تتهم الولايات المتحدة الحكومة الكوبية بأنها تصادر جزءاً كبيراً جداً (ما بين 75% إلى 95%) من رواتب الأطباء، وتدفع لهم جزءاً بسيطًا لا يكافىء جهودهم .
 

وتعتبر واشنطن أن البرنامج لا يهدف للمساعدة الإنسانية بقدر ما يهدف إلى تحقيق مكاسب مالية ضخمة للنظام الكوبي (يُقدر بمليارات الدولارات سنوياً)، واستخدامه كأداة لزيادة النفوذ السياسي في الدول المستضيفة.

كما أتهمت واشنطن حكومة كوبا بترهيب الأطباء المشاركين في البرنامج يخضعون لقيود مشددة على حريتهم في الحركة والتعبير، وقد يتم تهديدهم وعائلاتهم في حال انشقاقهم.


تأثير الأزمة على السياسة الداخلية والتجارة البرازيلية

وعلى الصعيد الداخلي فإن تلك الأزمة قد تسهم في تعزيز شرعية الرئيس “لولا دا سيلفا”  بإعتباره مدافعًا عن السيادة البرازيلية، لكنها أيضًا تعزز مع احتمالات زيادة الانقسامات الداخلية، ودفع الحكومة لتعزيز التحالفات الإقليمية.


كما أنها قد تزيد القيود على الصادرات، وتحفز البرازيل على توسيع تجارتها مع دول البريكس، مع خلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين.

السيناريوهات المستقبلية
 

وعلى الصعيد الأميركي فقد تساهم تلك الخلافات في فرض عقوبات إضافية وتصاعد التوتر السياسي بين البلدين، مع محاولة البرازيل إعادة تموضعها استراتيجيًا لتعزيز تحالفاتها الدولية لتقليل تأثير الولايات المتحدة.


ويمكن القول بأن التوترات المتراكمة ترسم ملامح مرحلة جديدة من العلاقات بين أكبر قوتين في الأمريكيتين، تتطلب حلاً دبلوماسيًا شاملًا يتجاوز مجرد ردود الفعل المتبادلة، لتجنب المزيد من التداعيات على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة.