«داخل رأس الخيمة».. أحمد العسم يتألق في البوح ويبدع في وصف «دائرته الضيقة»

«أحمد العسم» شاعر
«أحمد العسم» شاعر الجغرافية الإماراتية

عبر سرد شيق، يتداخل فيه بيان شعر عذب، مع واقعية تجارب غنية ثرية، يتألق الشاعر والأديب الإماراتي أحمد عيسى العسم في وصف «دائرته الضيقة»، ويسطر تفاصيل رحلة مكانية زمانية فريدة، في كتابه الجديد الذي صدر عن مكتبة العنوان بالشارقة، واختار له اسم «داخل رأس الخيمة.. سيرة ثقافية واجتماعية للدائرة الضيقة»، واختارت الدوائر الثقافية أن تصنفه في خانة البوح الذاتي، الذي ينطلق بسلاسة - يحسد عليها المؤلف المخضرم- من الخاص إلى العام، ويرسم بحبره السيال «صورة قلمية» للمكان والعلاقات والتفاعلات والتداخلات التي يزخر بها مجتمع الإمارة التاريخية العريقة.

حب وتوجيه في رسالة حانية

ويبدأ الكتاب برسالة من الأب الشيخ صقر بن محمد القاسمي «رحمه الله» إلى الابن أحمد عيسى العسم عام 2005م، جاء فيها: 

«يا أحمد العمل لأجل الوطن هو إيمان كبير وفضل لا يُعطى إلا للذي يعمل ولا يزال، وهذا سلاحك في الحياة.. اقرأ، وَعَلِّمْ، واذهب لتتعلم.. وَعَلِّمْ ما أعطاك الله من العلم والمعرفة.. اعمل ولا تلتفت إلى الخلف؛ فكلما نظرتَ خلفكَ تأخرتَ، وسبقكَ الآخرون».

لغة العسم

 يبني العسم الذي يوصف بأنه شاعر الجغرافية الإماراتية وشاعر الشارع الاجتماعي والتراثي والثقافي الإماراتي، قصائده بعفوية وتلقائية دون تكلف، ودون زوائد.. لغته بسيطة وصريحة، لا تميل إلى الغموض، لكنها ليست بتلك السهولة التي تجعلها ضحلة غير عميقة الدلالة، بل سهلة ممتنعة على استخلاص المعنى إلا من خلال الاستماع جيدًا لنبض حروفها، والاستمتاع بوقع أنفاسها.

شاعر الأمكنة والأزمنة

وتذكر مقدمة الكتاب أن أحمد العسم، شاعر الأمكنة والأزمنة؛ سواء أكانت تلك الأمكنة الكامنة في عصر آبائه وأجداده، أم في عصره هو، الذي عاصره منذ ولادته وحتى وقته الراهن، مراهنًا على كل ما هو قابل للتأريخ والتوثيق، ومؤكدًا أن القلم هو أداة البناء الذي يحافظ أو يشير إلى مواضع الأمكنة الإماراتية المنتمية إلى الخريطة الجغرافية في رأس الخيمة الإمارة التاريخية العريقة، إذ لا يخلو إصدار من مكان أو زمان، منذ المشترك الشعري (مشهد  في رئتي: 1998م)، مرورًا بـ(يحدث هذا فقط: 2002م)، ثم (الفائض من الرف: 2008 م)، وحتى (غرفة يوسف: 2022م)، وصولًا إلى (روحك والمدينة: 2022م) بسريرته وشخوصه وأمكنته.

<span style=
 شاعر الأمكنة والأزمنة

وثيقة جغرافية تاريخية

في الوثيقة الجغرافية التاريخية هذه «داخل رأس الخيمة» يدعونا الأديب الشاعر أحمد عيسى العسم، إلى رحلة استكشافية للسيرة الثقافية والاجتماعية، عبر مدن وقرى ومناطق متفرقة من إمارة رأس الخيمة، التي حضرت هنا بقوة التاريخ والجغرافيا، وعنفوان الكلمة الشاعرة، بما لديها من حكايات وحياكات وأحداث وأحاديث.

هنا في «داخل رأس الخيمة»، ثمة مدن وقرى ومناطق وفصول وتفاصيل وسيرة ومسيرة وثمة «أحمد بن ماجد» ومملكته المائية، وأحمد عيسى العسم ومملكته الشعرية وثمة المشترك المكاني «جلفار».

هذا الكتاب «داخل رأس الخيمة»، ليس مجرد سيرة ثقافية واجتماعية للدائرة الضيقة، كما أشار إلى ذلك مؤلفه الأديب الشاعر أحمد عيسى العسم، بل هو سيرة لدائرة متسعة بدءًا من مكان عام شامل يدعى «رأس الخيمة»، بكل عوالمها ومعالمها وأعمالها وأعلامها من مثقفين وأدباء وكتاب وشعراء وتراثيين ورياضيين واقتصاديين وجغرافيين وتاريخيين، ورجال ونساء بسطاء.

ويأتي الكتاب إخلاصًا ووفاءً لهذه الإمارة الثقافية التاريخية «رأس الخيمة»، لكل مدنها وقراها ومناطقها، وجبالها وبحارها وسواحلها وسهولها.. وصولًا إلى سيرة المؤلف أحمد عيسى العسم، بكل تفاصيل فصولها، منذ ولادته في عام 1964م، وحتى الآن.

<span style=
أحمد عيسى العسم ومملكته الشعرية

عناوين العسم

وتشير معظم عناوين كتب أحمد العسم إلى أسماء أمكنة، سواء أكانت أمكنة جغرافية مأهولة بالسكان، أم كانت أمكنة أخرى ذات دلالات ومعان تستدعي الاستكشاف من قبل القارئ؛ حيث (مشهد في رئتي، الفائض من الرف، وسط بعيد، تحت الظل الكثرة، أصافح وجوهًا في العتمة، غرفة يوسف، روحك والمدينة، أرتب الصور.. أغير شكل الحائط).

ويقول الشاعر العسم مخاطبًا «رأس الخيمة» في (الفائض من الرف):

أحببتك حتى صرت مثلًا

لطالما فتحت نوافذي

وانتظرت عالقًا بي

ناسيًا العشاء على الطاولة

حالمًا بأن تضيئي 

إلى صدرك

عن الكلام عاطلًا

أمتدُ مثل نهر

وتلمعين مثل خاتم

أصغي بطمأنينة وود

يشبهك

الحلم والدمعة

والسرور

يشبهك 

المستحيل في المشهد

والأيام الناهضة

بالأسئلة..

تسامح أبي وقناعته

ويقول العسم في أحد فصول كتابه: «تعلمت من والدي التسامح والقناعة، وما زلت أذكر عندما ذهبت معه للصيد في البحر، كان يومها الخير كثيرًا، وعندما امتلأ دلونا، قال لي والدي: يكفينا هذا يا أحمد.. اترك البقية لغيرنا، حينها كنت فرحًا وأهديت للبحر مجموعتي الشعرية الأولى (يحدث هذا فقط) وقلت له شكرًا لأنك منحتني هذه الطاقة للجري خلف القصيدة والشعر».

والدتي مدرستي 

وتابع العسم قائلًا: أما والدتي فقد كانت مدرستي التي أدخلها يوميًا لأتعلم كيف يكون الصبر على الألم والغياب، وكيف تكون الابتسامة حاضرة رغم الألم، وهي صديقتي التي طالما أفضيت لها عن تفاصيل كثيرة ومهمة في حياتي فلم أكن أخفي عنها شيئًا، ولذلك كانت دائمًا تقول: «أحمد أخي وليس ولدي» واعتدت الذهاب إليها لأبوح بما كتبته في جوف الليل، وكثيرًا ما كانت توزع مجموعاتي الشعرية على جاراتها وصديقاتها. 

العسم: في رأس الخيمة بإمكانك أن تغرف من التفاؤل ما يكفيك العمر 

ويذهب العسم بعيدًا ويقول: في رأس الخيمة بإمكانك أن تغرف من التفاؤل ما يكفيك العمر وتمضي دون أن تخفي الشعور الجيد الذي تعطيه الدروب لك والفرجان ومن هنا أبحر «جدي إبراهيم» ولم يعد إلا غريقًا.

ويضيف: في عام 1964 لم أنم، ولدت وكأنه يسلمني راية الحياة.. يقول: اكتب واركض، وابق صديق أعماقك. افرك جسدك بالملح، وعلى السيف ستكبر. حاول ألا تسقط، ابحث عن جيل «حفيدي أحمد».