خاص| الطريق المسدود في شبه الجزيرة الكورية.. «صراع الجذور ومواجهة النفوذ»
لم تنجح مبادرة كوريا الجنوبية الأخيرة في تهدئة التوترات مع جارتها الشمالية، وذلك بعد محاولتها إزالة مكبرات الصوت الدعائية الموجهة ضد بيونغ يانغ، هذا الإجراء الذي كان من المنتظر أن يفتح أفاًقا جديدة للحوار بين الجانبين، قوبل بالرفض والسخرية من “كيم يو جونغ” شقيقة زعيم كوريا الشمالية مما أجج من حدة الموقف المتآزم منذ عقود، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الكوريتين.
الطريق المسدود
لم تكن إزالة مكبرات الصوت الدعائية الموجهة ضد بيونغ يانغ سوى بادرة ترغب سيول من خلالها التأكيد على إستعدادها للانخراط في جهود السلام وإحياء العلاقات بين البلدين، غير أن رد “كيم يو جونغ” شقيقة زعيم كوريا الشمالية، الساخر من محاولات الجارة الجنوبية لخلق بيئة مواتية للمباحثات حطم آمال السلام»، إذ لا يعتد نظام بيونغ يانغ بأي محاولات للتفاوض دون تغيير جذري في العلاقات الكورية الجنوبية- الأميركية.
وهي العقبة الرئيسية في طريق تحسين العلاقات بين الكوريتين، فبينما تسعى سيئول للتهدئة، تستمر الولايات المتحدة في مواصلة المناورات العسكرية المشتركة معها وهو ماتعتبره بيونغ يانغ تهديدًا لأمنها القومي، وهذا التضارب يجعل من أي تقارب أمرًا مستبعدًا.
جذور الصراع
يمكن إعتبار العلاقة بين الكوريتين هي صراع سياسي وأيديولوجي مستمر منذ عقود، تتخلّله أحيانًا جهود للسلام والوحدة، لكن جميعها تصطدم بالعقبات الكبيرة بسبب الاختلافات والتهديدات الأمنية.
بدأ الصراع الرسمي بين الكوريتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا عام 1948، وتفاقم الصراع بعد الحرب الكورية التي دارت بين عامي 1950 و1953، والتي لم تنتهِ باتفاقية سلام رسمية، بل بهدنة فقط، «هذا يعني أن البلدين لا يزالان من الناحية الفنية في حالة حرب».
يُعد اختلاف الأيديولوجيات هو أحد أهم الأسباب للانقسام إذ تتبنى كوريا الشمالية نظامًا شموليًا بقيادة عائلة كيم، بينما كوريا الجنوبية دولة ديمقراطية رأسمالية غربية.
بالإضافة إلى سعي كوريا الشمالية لتطوير أسلحة نووية وصواريخ باليستية وهو ما تعتبره كوريا الجنوبية يشكّل تهديدًا كبيرًا لمصالحها مماتسبب في حدوث اشتباكات وحوادث متفرقة على الحدود المشتركة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحدود بين الكوريتين تعد الأكثر تسليحًا في العالم.
كما شهدت العلاقات بين البلدين تماوجًا ما بين فترات من التقارب و فترات من التوتر الشديد ففي حين كانت هناك محاولات للحوار بين الزعماء، إلا أن جميعها أنهار تحت وطأة التوترات والتي لا تزال قائمة بسبب رفض كوريا الشمالية التخلي عن برنامجها النووي.
مواقف القوى الكبرى
و يمكن القول بأن الصراع بين الكوريتين هو ساحة للتنافس بين القوى الكبرى إذ تلعب كل من الولايات المتحدة، و روسيا، والصين أدوارًا بالغة الأهمية، إذ ترى الولايات المتحدة في كوريا الشمالية تهديدًا كبيرًا وخطرًا داهمًا وهو مايدفعها لترسيخ علاقتها مع الجارة الجنوبية لحماية مصالحها في المنطقة.
بينما تسعى الصين، والتي تعتبر حليف تاريخي لكوريا الشمالية، إلى تحقيق التوازن بين دعمها لبيونغ يانغ وبين مصالحها الاقتصادية مع سيول وبقية العالم، وتتمثل مخاوف الصين الرئيسية حول سيناريوهات انهيار نظام كوريا الشمالية، مما يعني تدفق اللاجئين وزيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
فيما تتمتع روسيا بعلاقات جيدة مع كوريا الشمالية خاصة في مجال التعاون العسكري، وهو ما حقق استفادة كبيرة وتفوقًا ملحوظًا لروسيا في معركتها مع كييف، كما أن المساعدات الروسية الكبيرة لبيونغ يانغ تعزز قدرة الأخيرة على الصمود في وجه العقوبات الدولية.
ويرى المراقبون أن طبيعة الصراع بين الكوريتين مستعصية على الحلول السريعة فعلى سبيل المثال لم يعد برنامج كوريا الشمالية النووي مجرد ورقة تفاوض، بل أصبح ركيزة أساسية للأمن القومي لا يمكن التخلي عنها بسهولة.
كما أن المنافسة بين القوى الكبرى تجعل من الصعب على أي طرف فرض حل أحادي.
وعليه فإن أي تقدم مستقبلي سيتوقف بشكل كبير على تسوية أوسع للمصالح الجيوسياسية بين هذه القوى، وليس فقط على المفاوضات بين الكوريتين.
وعن ذلك يقول الدكتور “هاني الجمل” المتخصص في العلاقات الدولية في تصريحات خاصة لـ" مانشيت" أنه من غير المُرجّح أن تكون هناك مفاوضات بين الكوريتين وبمشاركة حلفاؤهما دون التوصل إلى تفاهمات كبيرة تؤدي إلى إنجاح تلك المفاوضات.
و أشار إلى أن الحلول الدبلوماسية ليست أمرًا مستبعدًا، ولكن بما يتماشى مع قوة كوريا الشمالية التي تمكنها من الحفاظ على صورتها ومكتسباتها النووية.
