خاص| لماذا ترفض إيران استقبال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟

مانشيت

بعد القصف الأميركي والإسرائيلي لمنشآتها النووية خلال يونيو الماضي 2025، اتخذت إيران قرارًا مثيرًا للجدل برفض دخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وكانت قد شنت إسرائيل غارات على أكثر من 100 هدف في إيران بداية من 13 يونيو، منها منشآت نووية، تلتها استهداف الولايات المتحدة في 22 يونيو، ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية: فوردو، ونطنز، وأصفهان.

وفي هذا السياق، تحدث الباحث في الشأن الإيراني والشرق الأوسط، أسامة حمدي، في حديث خاص لموقع «مانشيت» عن أبعاد الموقف الإيراني ورسائله السياسية والاستراتيجية للمجتمع الدولي.

طهران تتبنى نهج الغموض النووي 

وقال إن رفض إيران السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول المواقع التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي يأتي في إطار تبني طهران نهج الغموض النووي وهو أحد أبرز الأساليب التي اعتمدتها الجمهورية الإسلامية لإعادة صياغة قواعد التعامل مع المجتمع الدولي في ملفها النووي.

غياب الإدانة الدولية ودوافع الغموض

ولفت حمدي إلى أن امتناع الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن إدانة الهجمات التي استهدفت منشآت نووية تخضع لإشرافها، رغم عضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، شكل نقطة تحول في موقف طهران.

وأوضح أن إيران اعتبرت هذا الصمت الدولي تواطؤًا ضمنيًا؛ ما دفعها إلى تعليق التعاون مع الوكالة عبر قانون أقره مجلس الشورى الإسلامي وصدق عليه مجلس صيانة الدستور.

وأكد الباحث أن هذا القرار جاء ترجمة عملية لحالة الغموض النووي التي دخلتها إيران، والتي تعني منع مفتشي الوكالة من دخول المنشآت النووية المتضررة أو الإطلاع على بيانات التخصيب ومستوى الضرر فيها.

قواعد جديدة للتعامل مع الغرب

وأشار إلى أن طهران تسعى حاليًا لفرض قواعد جديدة للتعامل مع القوى الغربية، بحيث تبقى تفاصيل برنامجها النووي طي الكتمان، بما في ذلك نسبة التخصيب، حجم الكميات المخصبة 400 كيلوجرام بنسبة نقاء 60% وعدد أجهزة الطرد المركزي من نوعي IR6 وIR9 التي تكفي  بحسب التقديرات  لصناعة نحو 11 قنبلة نووية.

ونوه الباحث إلى أن هذا الغموض يهدف إلى تعزيز الردع الإيراني ومنع خصومها من التنبؤ بقدراتها النووية أو العسكرية، في وقت تصعّد فيه واشنطن وتل أبيب حملتهما ضد طهران.

منشأة جبل الفأس.. رسالة التحدي

وأوضح حمدي أن إيران وجهت رسالة مباشرة للولايات المتحدة من خلال الكشف عن منشأة جديدة تعرف باسم جبل الفأس، تقع بالقرب من منشآت فوردو النووية التي تعرضت للقصف.

وقال إن هذه المنشأة أعمق وأكثر تحصينًا من فوردو، ولا تستطيع القاذفات الأميركية من طراز B2 الوصول إليها بسهولة، وهو ما يحمل دلالة رمزية على استمرار البرنامج النووي رغم الضربات.

وأكد الباحث أن هذه الخطوة تمثل جزءا من الاستراتيجية الإيرانية التقليدية التي تقوم على الرد على الضغوط والعقوبات بمزيد من التطوير والتوسع النووي أو العسكري، وليس بالتراجع أو التنازل.

الغموض كأداة ردع وورقة تفاوض

وقال حمدي إن إيران اختارت مقاربة براغماتية تمزج بين الصمود والمرونة، فهي لم تنسحب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كما طالب التيار المتشدد، لكنها أيضًا لم ترضخ للغرب بالسماح بزيارات تفتيش تقليدية بعد القصف.

ولفت إلى أن هذا الخيار يمنحها هامش مناورة تفاوضي يسمح لها باستخدام ملفها النووي كورقة ضغط من أجل التوصل إلى اتفاق جديد يرفع العقوبات الاقتصادية عنها.

مخاطر التصعيد وحروب الظل

وأشار الباحث في الشأن الإيراني والشرق الأوسط إلى أن حالة الغموض النووي تحمل في طياتها مخاطر حقيقية، فقد تمنح إسرائيل والولايات المتحدة مبررًا جديدًا لتكرار الهجمات بدعوى منع إيران من تطوير سلاح نووي.

وفي المقابل، رجح حمدي أن تلجأ القوى الغربية إلى تكثيف نشاطها الاستخباراتي عبر عمليات تخريب إلكتروني واغتيال العلماء النوويين الإيرانيين في إطار ما يعرف بحروب الظل، كما حدث في السنوات السابقة قبل اندلاع حرب الاثني عشر يومًا.

ورأى أن استمرار إيران في سياسة الغموض النووي يعكس تصميمها على حماية كرامتها الوطنية من جهة، وإدراكها أن الغموض الاستراتيجي قد يكون الضمانة الوحيدة لتجنب حرب شاملة من جهة أخرى.