كيف حوّل الفلسطينيون السجون الإسرائيلية إلى «مصانع للوعي والمعرفة السياسية»؟ (خاص)

السجون الإسرائيلية
السجون الإسرائيلية

في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل استخدام السجون كأداة ردع وكسر للإرادة، يرى محللون فلسطينيون أن المعتقلات تحوّلت عبر العقود إلى فضاء مختلف تمامًا، من أماكن للعقاب إلى مصانع للوعي والمعرفة السياسية.

وفي حديث خاص لموقع «مانشيت»، قال الدكتور نزار نزال، المحلل السياسي والباحث في الشؤون الدولية وقضايا الصراع في جنين، إن التجربة الفلسطينية في السجون الإسرائيلية حالة فريدة عالميًا، حيث استطاع  أن يحوّل القيد إلى فرصة، والعزلة إلى حاضنة فكرية تُعيد إنتاج القيادة الوطنية.

الدكتور نزار نزال 
الدكتور نزار نزال 

المعتقلات تحوّلت إلى جامعات للعلم والمعرفة

ولفت الدكتور نزال إلى أن العديد من الأسرى الفلسطينيين حصلوا داخل السجون على شهادات الثانوية العامة والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه، مشيرًا إلى أن هؤلاء يشكّلون اليوم ذخيرة فكرية وسياسية للنخبة الفلسطينية.

وأوضح أن الشعب الفلسطيني هو الوحيد الذي نجح في تحويل السجون الإسرائيلية إلى جامعات حقيقية، رغم المحاولات المستمرة لعرقلة ذلك. وأضاف أن الحركة الأسيرة خاضت إضرابات طويلة وإضرابات عن الطعام من أجل انتزاع حقها في التعليم والتثقيف الذاتي، حتى أصبحت الزنازين فضاءً للنقاش الفكري والسياسي.

ونوه نزال إلى أن كثيرًا من الأسرى خرجوا وهم أكثر وعيًا وثقافة، قائلًا: عندما نذهب لزيارة أحد المحرّرين نتفاجأ بمدى علمه وثقافته، وقدرته على التحدث بعدة لغات، منها العبرية والإنجليزية والفرنسية، إلى جانب اطلاعه على الأدب والسياسة والتاريخ.

وأكد أن السجن لم يعد في الوعي الفلسطيني مكانًا للعقاب، بل أصبح مساحة لصناعة الوعي والتأهيل الوطني، حتى غدا الأسير الفلسطيني نموذجًا للعلم والمقاومة في آن واحد.

من الوعي إلى الواقعية السياسية

وفي سياق آخر، أشار الدكتور نزار نزال إلى أن الفلسطينيين بمختلف فصائلهم متفقون على المطالبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتُلت عام 1967، موضحًا أن هذا الإجماع لا يعكس تشددًا سياسيًا بقدر ما يعكس وعيًا بالواقع الدولي ورغبة حقيقية في إقامة الدولة الفلسطينية.

وبيّن أن الفصائل الفلسطينية تدرك أن إسرائيل لن تقبل بسهولة بهذا الطرح، ومع ذلك تتمسّك به لأنه يعبر عن الحد الأدنى من العدالة والاعتراف الدولي.

وقال نزال إن القضية ليست صراع أجيال بين متشددين ومعتدلين، بل تعبير عن تطوّر الوعي السياسي لدى الفلسطينيين الذين يسعون إلى الاستقرار وبناء دولتهم ضمن الجغرافيا التي يعترف بها المجتمع الدولي كدولة فلسطينية مستقلة.

الأسير الفلسطيني من رمز للنضال إلى صانع للفكر الوطني

وأكد الدكتور نزار نزال أن الحركة الأسيرة لعبت دورًا جوهريًا في تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني، وأن كل أسير محرر يحمل في داخله مشروع دولة وذاكرة مقاومة، مشيرًا إلى أن خروجهم من السجون ليس نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة جديدة من النضال السياسي والفكري نحو الحرية والاستقلال.