الإضرابات اليونانية.. احتجاجات العمل تكشف عمق الأزمة في الاقتصاد الأوروبي (خاص)

إضراب فى اليونان
إضراب فى اليونان

تشهد اليونان موجة جديدة من الإضرابات العامة احتجاجًا على إصلاحات العمل التي أقرتها الحكومة وتسمح بتمديد ساعات العمل.

تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد الغضب الاجتماعي في أوروبا تجاه سياسات التقشف وتراجع العدالة الاجتماعية.

وأكد أيمن عامر، الكاتب الصحفي المتخصص في الشؤون الأوروبية، في حديث خاص لموقع "مانشيت"، أن الإضرابات المتصاعدة في اليونان ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي امتدادًا لأزمة اقتصادية واجتماعية متراكمة منذ أزمة الديون السيادية عام 2010، حين فرضت الترويكا المفوضية الأوروبية، البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، سياسات تقشف قاسية على البلاد.

الكاتب الصحفي ايمن عامر
الكاتب الصحفي أيمن عامر

ولفت إلى أن الآثار الاجتماعية لهذه السياسات لا تزال ماثلة حتى اليوم، من تراجع الأجور الحقيقية، وارتفاع البطالة بين الشباب، إلى ضعف الخدمات العامة وتزايد هشاشة سوق العمل.

وأشار إلى أن الحكومة الحالية برئاسة كيرياكوس ميتسوتاكيس اليميني المحافظ زادت من حدة التوتر بإقرار إصلاحات عمل جديدة تسمح بتمديد ساعات العمل حتى 13 ساعة يوميًا في بعض القطاعات، وتسهيل فصل العمال، وتوسيع العقود المؤقتة، وهو ما اعتبرته النقابات عودة مقنّعة للتقشف.

دلالات التصعيد العمالي والاجتماعي

وأوضح الكاتب أن تصاعد الإضرابات يحمل رسائل سياسية واجتماعية عميقة، من بينها رفض شعبي متنامٍ لإفقار الطبقة الوسطى والعمالية، في وقت تحقق فيه الشركات الكبرى أرباحًا متزايدة رغم التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وأشار أيضًا إلى أن هذه الموجة تعكس تآكل الثقة في المؤسسات السياسية، ويرى المواطنون أن الحكومات الأوروبية باتت خاضعة لإملاءات السوق والاتحاد الأوروبي أكثر من استجابتها لمطالبهم.

ومن جهة أخرى، أكد أيمن عامر أن النقابات العمالية استعادت دورها كفاعل سياسي رئيسي، بعد سنوات من التراجع، مشيرًا إلى أن مشهد الإضرابات في اليونان يشبه ما يجري في فرنسا وألمانيا وإسبانيا، حيث أصبحت الشوارع منابر للضغط الاجتماعي.

البعد الأوروبي للأزمة

ورأى أن الاحتجاجات في اليونان تمثل جزءًا من مشهد أوروبي أوسع، إذ تتكرر الإضرابات في دول عدة احتجاجًا على رفع سن التقاعد، وتجميد الأجور، وتمديد ساعات العمل دون مقابل عادل، وتراجع الإنفاق الاجتماعي رغم زيادة الإيرادات الضريبية.

وأشار إلى أن هذه التطورات تكشف عن أزمة بنيوية في الاقتصاد الأوروبي، تتجلى في فشل نموذج التقشف من أجل الاستدامة، الذي زاد الفوارق الطبقية دون معالجة الدين العام.

إضافة إلى قيود الاتحاد النقدي الأوروبي التي تكبّل سياسات الدول المالية والاجتماعية المستقلة، وانكشاف هشاشة البنية الاقتصادية الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا، ما أدى إلى تضخم هيكلي دائم.

عقد اجتماعي أوروبي في مفترق طرق

وأكد الكاتب أن ما تشهده أوروبا اليوم هو إعادة تفاوض على العقد الاجتماعي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، حين قامت دولة الرفاه على مبدأ التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وأن الإضرابات في اليونان ليست مجرد احتجاجات على الأجور أو ساعات العمل، بل هي تعبير عن أزمة هوية اقتصادية واجتماعية في القارة، حيث يتصادم منطق السوق والربحية مع قيم العدالة والأمان الاجتماعي، وسط تحديات العولمة والحروب والتقشف المستمر.